أفكّرت أن تهرب من ألم المسؤولية؟
أقسى يومٍ شهدت فيه وطأة المسؤولية كان يومًا بدت فيه المكتبة الصغيرة التي أعمل بها وكأنها ميدان حرب، لا مجرد متجر للقرطاسية. ضاقت الجدران على نفسها، رفوفٌ مكدّسة بالكتب والدفاتر، أصوات الطابعات تعلو وتهبط مثل طبولٍ لا تهدأ، ورائحة الورق والحبر تختلط بهواء المكان فتغدو أثقل من أن تُستنشَق. لم يكن الأمر عاديًا.. لم يكن طبيعيًا أن يتدفّق على هذا المكان الضيّق قرابة مئتي شخص في يوم واحد. تلك اللحظة جعلتني أدرك فعلًا.. أيمكن للإنسان أن يظلّ متماسكًا وهو في قلب العاصفة؟
كنت وحيدًا، أحمل المكتبة على عاتقي كلّها، بينما سائر المكتبات في البلدة يقف وراءها أكثر من شخص. شعرت وكأنّي أُختَبرت بإما أن أنهار تحت الزحام، أو أكتشف في نفسي ما لم أظنّه موجودًا. وبينما أتقلّب بين الطلبات، يرنّ الهاتف.. صاحب المكتبة يسألني بارتباك : هل التحويلات المالية التي وردتني اليوم خطأ؟
لحظةٌ جعلتني أتوقف بخوف.. ثم أجبته بصوتٍ مضطرب : لا، ليست بخطأ. فأجابني بدهشةٍ لا يصدّقها : إذن كيف وصلت الأرباح إلى هذا الحد؟! لم نُسجّل مثلها يومًا.
أدركت حينها أنّ ما بدا لي بُطئًا وتعثّرًا، كان في حقيقته صبرًا يُثمر، وتماسكًا يفتح أبوابًا لم تكن في الحسبان.
في وسط الزحام، وجدت نفسي أكلّم عقلي بصوتٍ واضح. وحينها، وبدون مبالغة، كان أمامي تسعة أشخاص متزاحمين في مساحة ضيّقة حتى شعرت وكأنّ الجدران تضغط على صدري. في تلك اللحظة تحديدًا اعتلاني توعك شديد، وكنت على وشك الانفجار بالبكاء، الغصّة صعدت إلى حلقي تكاد تخنقني. كنت أبحث بجنون عن أي فكرة أهرب بها من ألم هذه المسؤولية، حتى خطرت ببالي استقالة سريعة، كأنها طوق نجاة يُلقيه الغريق لنفسه، مجرد وهمٍ أعلّق عليه نفسي كي أُخفّف ثقل اللحظة. لكنّ ذات الصوت في داخلي كان يردّ عليّ بإصرار (يمدي.. يمدي.. بس ركّزز.. ركّزز) كان صراعًا داخليًا بين الرغبة في الهروب والانهيار، وبين التماسك المستميت كمن يقف على حافة هاوية ويرفض أن يسقط.
كنت أبتكر حيلاً لأهدّئ انتظار الزبائن كإبتسامة عابرة، كلمة تُخفي ارتباكي، حركة يد توحي بالسيطرة.
وهنا تكمن الحكمة التي لم أفطن لها إلا لاحقًا، أن الناس لا يرون ارتباكك، بل يرون كيف تُخفيه. لم يكن المهم أن أنجز العمل بسرعة خارقة، بل أن أُقنع من أمامي أن كل شيء تحت السيطرة.
ومع ذلك، لم تخلُ لحظات الانتصار. كان يسعدني أن أُنجز ثلاث ملازم(١) ذات سلك في أقل من خمس عشرة دقيقة، كأنّي أقطع شوطًا بطوليًا في سباق غير مرئي. وصادفت مرتين على الأقل أن التفت زبائن بدهشة وقالوا : أأنجزت هذا كلّه وحدك؟ بارك الله فيك.. قوّاك الله. كلماتهم كانت أبسط من أن تُعلّق على جدار إنجاز، لكنها كانت أعظم من أن تُنسى.
(١)المُـلْـزَمة : كراسة أو كتاب صغير يضم مجموعة من الأوراق المترابطة، تُجمع وتُثبت بخياطة أو تدبيس أو سلك معدني.



جميل جدا🌸
الناس لا يرون ارتباكك، ولكن يرون كيف تخفيه
عبارة جميلة جدا، وواقعية 💯