لقد كبرت يا أمي.. كبرت جدًا.
لقد كبرتُ يا أُمي..
لم أعُد أتغيّبُ عن دروسي لأُشاهدَ التلفاز
ولم يَعُد يغويني الغميضةُ خلفَ أثوابِكِ المعطرةِ بالهال
لم تَعُد قِصصُكِ المنسوجةُ من ضوءِ الفانوسِ العتيقِ مرافئَ خوفي
ولم يَعُد قلبي عصفوراً يرتجفُ في قفصِ الصدرِ من رعدٍ شتويٍّ مباغت
لم تَعُد جراحي طفلاً يصرخُ لِيستدرَّ لثمةً تداوي خدشَ الركبتين
بل صارتْ صمتاً مهيباً يبتسمُ في وجهِ الريحِ العاتية
لقد كبرتُ.. ولم أعُد أخافُ الغولَ الذي يتربصُ في زوايا العتمة
بل صرتُ أروضُ وحوشَ الواقعِ بحكمةٍ استلهمتُها من ملامحِكِ
لم يَعُد العيدُ عندي قميصاً منشّىً أو حذاءً يصرُّ فوقَ البلاطِ البارد
بل صارَ تجلياً للسكينةِ التي تشعُّ من مِسبحتِكِ في جوفِ الليل
لم أعُد أرتقبُ الصباحَ ليلهوَ بي كما تلهو الريحُ بريشةِ طائرٍ ضليل
بل صرتُ أنا من يَقودُ شمسَ النهارِ بزمامِ الإرادةِ التي لا تنحني
لقد كبرتُ يا أُمي.. حتى تبرعمَ في صدري يقينٌ يطاولُ السحاب
ولم أعُد أبحثُ عن ثقبٍ في جدارِ المستحيلِ.. بل أهدِمُ الجدران
لم يَعُد انكسارُ الخاطرِ يبعثرُ ملامحي أو يكسرُ بوصلةَ يقيني
بل صارَ صقلاً لروحٍ تعمّدتْ في مِصهرِ حنانِكِ وضياءِ دعائكِ
لم أعُد أركضُ نحوكِ بدموعٍ مالحةٍ كلما انكسرتْ لُعبتي المفضلة
ليسَ جفاءً.. بل لأُثبتَ لكِ أنَّ غرسَكِ قد صارَ نخلةً لا تهزُّها العواصف
لم تَعُد السماءُ في مخيلتي سقفاً من ورقٍ ملونٍ تسكنُه الأساطير
بل غدتْ فضاءً لجموحِ طموحٍ يعانقُ ذُرى المجدِ بغيرِ ارتجاف
لم يَعُد القمرُ رفيقاً يطاردُ ظلي النحيلَ في أزقةِ القريةِ الصامتة
بل صرتُ أنا الضياءَ الذي يهتدي بهِ الحائرونَ في دروبِ الحيرة
لم أعُد أرومُ الهروبَ من دفاترِ الحسابِ المعقدةِ وخرائطِ الجغرافيا
بل صرتُ أرسمُ خرائطَ مجدي بذكاءِ من أدركَ أنَّ الزمنَ لا ينتظر
لقد كبرتُ يا أُمي.. وصارَ قلبي قلعةً شامخةً لا تطالُها رماحُ الظنون
لم تَعُد رائحةُ الطباشيرِ على كفي تثيرُ غصتي أو رغبتي في الفرار
بل أصبحتُ أخطُّ بمدادِ الفعلِ ملاحمَ فخري في سجلاتِ الخلود
لم يَعُد صوتي صدىً لضجيجِ الصغارِ في باحةِ المدرسةِ وقتَ الفسحة
بل غدا بياناً رصيناً يُلجمُ الباطلَ بكلمةِ الحقِّ ووقارِ الصدق
لم تَعُد عينايَ تفتنُها بالوناتُ العيدِ التي تنفجرُ في أولِ ملامسةٍ للريح
بل باتتْ تقرأُ ما خلفَ الوجوهِ لتبصرَ لُبابَ الجوهرِ وعمقَ الأرواح
لم أعُد أتوارى عن لظى المسؤوليةِ خلفَ عباءتِكِ السوداء الحانية
بل صرتُ أستقبلُ قدرِي بصدرٍ رحبٍ وعيونٍ لا تعرفُ الانكسار
لم تَعُد وعودي كلماتٍ تذروها الريحُ كما تذرو غبارَ الطرقاتِ المنسية
بل صارتْ مواثيقَ غليظةً تُحفظُ في السويداء بوفاءٍ لا يشيخ
لقد كبرتُ يا أُمي.. واستنارَ في دياجيرِ فكري مصباحُ الحقيقةِ المرّة
لم أعُد أحتاجُ لمن يمسكُ بيدي ليعبرَ بي زحامَ الحياةِ وضجيجَها
بل صرتُ أنا المرفأَ الآمنَ الذي ترسو عليهِ مراكبُ تعبِكِ لترتاح
لم تَعُد أناملي ترتعشُ حينَ أضعُ النقطةَ الأخيرةَ في سطرِ الاختبار
بل غدتْ تقبضُ على جمرِ الواقعِ براحةِ الفارسِ المتمكنِ من لجامِه
لم يَعُد الفرحُ يأتي كقطعةِ سكرٍ تذوبُ سريعاً في فمِ الانتظار
بل صارَ فتحاً مبيناً أقتنصُه بعرقي ونبضِ كرامتي التي صنعتِها
لم أعُد أخطُّ أحلامي على رمالِ الشواطئِ لتمحوَها الموجةُ في ثوانٍ
بل أحفرُ تاريخي في صخرِ الأيامِ بضرباتِ الإنجازِ التي لا تُمحى
لقد كبرتُ يا أُمي.. ولم يَعُد للترددِ في محرابِ يقيني موطئُ قدم
لم تَعُد أناشيدُ الصباحِ تُشعلُ حماسي ما لم تكنْ بدفءِ صلواتِكِ
ولم يَعُد النومُ مفرّاً من ثقلِ الحقيبةِ المكدسةِ بالكتبِ والهموم
بل صارَ غفوةَ سيدٍ يثقُ أنَّ خيوطَ الفجرِ طوعُ إرادتِه القوية
لم أعُد أتساءلُ بفضولٍ متى سأكبرُ لأملكُ مفاتيحَ القوةِ والمنعة
بل صرتُ أسخّرُ قوتي لأكونَ لكِ الظلَّ الوارفَ والوطنَ الأحنّ
لم تَعُد الحياةُ طلسماً محيراً يبثُّ القشعريرةَ في أوصالي كلَّ مساء
بل صارتْ قصيدةً عصماءَ أدونُ فيها ملاحمَ كبريائي ونضجي
لم يَعُد تناقضُ الرفاقِ يشوشُ صفائي أو يخدشُ مرآةَ خلوتي
بل صرتُ أحتوي الجميعَ بقلبٍ اتسعَ حتى صارَ أرحبَ من أوجاعِهم
لقد كبرتُ يا أُمي.. ولم أعُد أهابُ التراجعَ خطوةً لترتيبِ الصفوف
فأنا أعلمُ أنَّ كلَّ كبوةٍ هي استجماعٌ لقفزةٍ تلامسُ هامةَ الجوزاء
لم تَعُد اللغاتُ تسعفني لوصفِ كبرياءٍ سقيْتِهِ من رحيقِ روحِكِ الصافية
ولم يَعُد صمتي عجزاً.. بل صارَ هيبةً تُلجمُ ثرثرةَ المرجفين في مدينتنا
لم أعُد ألتفتُ لمن ترجلَ عن صهوةِ الوفاءِ أو ضلَّ طريقَ القافلة
بل أمتنُّ لثباتِ قيمي في زمنٍ تهاوتْ فيهِ صروحُ المبادئِ العتيقة
لم تَعُد الأرضُ تضيقُ بمساحةِ أحلامي التي لا تحدُّها حدودُ الزمان
بل صارتْ ميداناً فسيحاً لخطواتي الواثقةِ التي تعرفُ غاياتِها يقيناً
لقد كبرتُ جداً يا أُمي..
ولم يَعُد هناكَ من يربتُ على كتفي ليطمئنني كما كنتِ تفعلينَ دوماً
ليسَ لأنكِ ابتعدتِ.. بل لأنَّكِ رأيتِ فيَّ طوداً شامخاً لا تهزُّه النوازل
ولأنَّ يقيني صارَ يغنيكِ عن لمسةِ الخوفِ على صغيرِكِ الذي كان
فانظري إليَّ الآن بملءِ عينيكِ.. وابتسمي بملءِ كبريائِكِ وفخرِكِ
فقد كبرتُ يا أُمي.. وصرتُ أنا من يربتُ على كتفِ الآخرين كي يستكنّون.



لم تعد تغويني *
جيت من التيك لقيت أني أتابعك هنا بالفعل🤏