جرّبت المسؤولية.. وسأسردها لكم هنا
موقف بسيط.. من تلك اللحظات اليومية التي تمرّ مرور الكرام على كثيرين، لكنّي لا أملك ترف الصمت عندما تستفزّني لحظة كهذه بشكل يثير اهتمامي.
في داخلي صوتٌ يحبّ الفضفضة لا لهدف الاستعراض، بل لأن بعض التفاصيل، حين تُحكى بصدق، قد تزرع الإلهام في عقلٍ آخر.
كانت في أول محاضرة لنا بعد الإجازة.
دخل الدكتور القاعة، لا يحمل بيده أوراقًا ولا بدا عليه الاستعداد لشرحٍ أكاديمي، لكنّه كان يحمل شيئًا آخر.. طاقة.
لا أستطيع أن أصفها إلا بأنها طاقة شخصٍ يريد أن يقول ما يشعر، لا ما يُملى عليه.
وقف أمامنا، وبدأ حديثًا طويلًا، لا علاقة له بالمنهج.
تكلّم عن أشياء كثيرة، من كل وادٍ فكرة، لكن العجيب أنّ حديثه لم يكن مُبعثرًا كما توقعت، بل كان يحمل خيطًا خفيًّا يشدّك دون أن تدري.
تحدّث عن لغة الجسد، عن قراءة البشر، عن مفهوم المسؤولية، وحتى عن تحوّلات طريقة التفكير في المجتمع الحالي.
كنت أتابعه لا بعيني فقط، بل بنفسي.. كل حركة من يديه، نبرات صوته التي تتفاوت بين الحماس والهدوء، تموّجات حاجبيه حين يلامس فكرة يؤمن بها، وحتى لحظة توقفه المفاجئة التي يُسكت فيها الكلام كأنه ينتظر أن تصمت أفكارنا لنسمعه أكثر.. كلّها كانت تقول إن هذا الرجل لا يتحدث من فراغ، بل من خبرة واحتكاك.
وبعد مضي ما يقارب خمسًا وثلاثين دقيقة، توقّف فجأة، كما لو أن داخله قد نفد، ثم قال بنبرة حملت مزيجًا من التحدّي والاختبار :
“من منكم يقدر يكون مدير القروب لشعبتكم؟”
قالها وهو ينظر إلينا بنظرات استجواب خفية، لم تكن نظرات طلب، بل نظرات قياس.. كان يقرأ وجوهنا لا ليستمع لإجابتنا، بل ليرى من ستتبدّل ملامحه، من سيتردد، من سيخفض عينيه، من سيتقمص ثقةً لا يملكها..
وقف ثابتًا، يديه على الطاولة، ظهره منتصب، عينيه تتنقّلان من طالب إلى آخر بدقّة جندي يتفحّص صفوفه.
وأمام هذا الصمت المطبق، لم يرفع أحدٌ يده.. لا أحد.
ولا أنا.
كان بداخلي صراع..
أعرف أني قادر، وأشعر دومًا برغبة عميقة في خوض تجربة القيادة، لا لأنني أحب السيطرة، بل لأني أحب الإحساس بالمسؤولية، الشعور بأنك مؤتمن على شيء، أن هناك من ينتظر قرارك وكلمتك.
لكن اللحظة لم تكن مناسبة.
عرفت أن الدكتور ممتلئ بطاقة سلبية، مرهقٌ من محاولته لزرع فكرة في أرضٍ بدت له قاحلة.
وكنت أعلم أن لو رفعتُ يدي حينها، ربما يسألني : “ليش ما رفعت يدك قبل شوي؟”
وهو سؤال لا أملك له جوابًا يُقنع، ولا مزاجًا يسمح بتفسيرٍ هادئ.
تأملته وهو يطأطئ رأسه، ويداه لا تزالان على الطاولة..
قال بصوت منخفض يحمل خيبة أمل خفية :
“ما كنتم قد الثقة اللي أنا توقعتها.. ولعلي رفعت سقف التوقعات أكثر مما ينبغي.”
ثم بدأ يصفنا بلهجةٍ محبطة، قال إننا نفتقد الثقة، وإنه يشعر أنه تكلّف على نفسه ليحفزّنا، دون أن يرى أثرًا.
وبين كلماته، شعرت أن هذه ليست مجرد كلمات عتب، بل مشاعر رجلٍ تعب وهو يحاول، ثم لم يجد استجابة.
أما أنا، فكنت أحاور نفسي بصمت.
أعلم أنني لست عديم الثقة، لكنني لست من يُلقي بها سريعًا في حضن الفرص، بل أنا من يبنيها لبنة لبنة.
أعلم أني أستطيع، لكنّي لا أتحرك بدافع العاطفة المؤقتة، بل حين أرى أن الوقت صواب.
وفي تلك اللحظة، لم تكن الفرصة المناسبة.
انتهت المحاضرة، وبدأ الطلاب يغادرون، وأنا بقيت في مكاني.
ناداني الدكتور : “تقدر تتفضل.” -يمكنك الخروج-
اقتربت منه.. القاعة كانت شاسعة، صوته لا يصل إلا بالقرب. تحدثت معه بهدوء، بنبرة خالية من التحدي، لكن مشبعة بالوضوح :
“مو مسألة قلة ثقة مثل ما ظنّيت. لكن كل واحد هنا له ظروفه. أنا أقدر أكون مدير القروب، بس عندي التزامات ممكن تمنعني أعطي الموضوع حقه. ولأني أحترمك وأحترم الطلاب، ما رفعت يدي.”
نظر إليّ، ولم أدرِ أكانت عيناه تقول “أحسنت”، أم “فات الأوان”.
ثم قال، بنبرةٍ مرتفعة قليلًا، مشحونة بعاطفة مكسورة :
“طيب واللي قعدت أشرح لهم؟ ليه محد رفع يده؟ تعبت وأنا أحاول أوصل فكرتي!”
لم أملك ردًا.
وقبل أن أقول شيئًا، جاء طالب آخر، وقطع اللحظة، فانصرفت.
لكن شعورًا عميقًا في داخلي قال لي : “الدكتور كان يبي يتكلم.. كان يبي يفضفض مثلك.”
أحيانًا نكون جميعًا بحاجة إلى من يسمعنا، حتى لو كنا نحن من يدرّسهم.
وفي المحاضرة التالية، عاد يتحدث عن المنهج. بدا متماسكًا. لكن في نهاية اللقاء، أعاد نفس السؤال، وحدّق فيّ.
“مين يكون مدير القروب؟”
رفعت يدي.
ولم أكن وحدي. رفع معي أربعة آخرون.
ألقى نظرة علينا، ثم حدّق بي تحديدًا، وقال :
“شسمك؟”
أجبته.
فقال :
“أعد الاسم.”
قلت اسمي مرة أخرى.
ثم طلب تكراره مرة ثالثة، رغم أن صوتي كان واضحًا، وكنت أعلم أن هذا اختبارٌ آخر.
ليس لسماع اسمي، بل لسماع ثقتي. هل ستهتز نبرتي؟
هل سأتردد؟
لم أفعل.
وبعد قليل من الصمت الذي عمَّ المكان، وصلتني رسالة :
“تمت إضافتك للمجموعة.”
ثم وقف، ونظر لي أمام الجميع وقال :
“أنت بتكون مدير الشعبة.. تقدر؟”
أجبته بابتسامة واثقة :
“إن شاء الله أكون عند حسن ظنك، وحسن ظن الشباب.”
انتهت المحاضرة.
وهمّ الجميع بالخروج.
لكنه أوقفني وقال :
“هم كلهم على معتمدين عليك.. وأنا بعد أعتمد عليك.”
رحلت وأنا أحمل الكلمات كما يَحمل الأب همّ عياله.
هل يبدو الموقف عاديًا؟
ربما، عند البعض.
لكن دعني أقول لك عزيزي القارئ :
نحن في شعبة فيها ٩٢ طالب.
أي قرار، أي اختبار، أي حضور أو غياب.. سيمرّ من خلالي.
ليست مسؤولية صغيرة.
ولكنها أيضًا ليست فرصة صغيرة.
ما أردت أن أقوله من هذا كله :
المسؤولية، حين تمنحك ثقتها، توقظ في داخلك شيئًا خامدًا.
وتجعلك ترى ذاتك من زاوية لم تطرقها من قبل.
وذاك هو الجمال الحقيقي في التجربة.


