النفاذَ إلى الثغراتِ النفسيةِ في شخصياتِ الآخرين
اكتشفتُ ذاتي فجأةً؛ أدركتُ أنني أمتلكُ جَلَدًا يفوقُ التوقعات في تحمّلِ الضغوط، وشعرتُ بنشوةِ الانتصارِ بهذا الإدراك.
منذُ فترةٍ وأنا أعملُ في مكتبةٍ لخدماتِ الطباعةِ وإعدادِ البحوث، وكان يترددُ علينا زبونٌ اتسمَ بثِقَلِ نفسٍ لا يُطاق، يُلقي بأسئلتِه المستفزةِ حولَ أتفهِ التفاصيلِ وأصغرِها. كانَ رجلاً مفرطاً في شُحِّه -ولا أقصدُ الإساءةَ إليه بقدرِ ما أصفُ طباعَهُ المتأصلة- فقد كانَ يساومُ على مبالغَ زهيدةٍ لا تحتملُ الجدال، كريالٍ واحدٍ أو ريالين، حتى في أصعبِ الخدماتِ التقنيةِ كرفعِ وإنشاء التقارير.
ذاتَ يوم، زارني زميلٌ سابقٌ لي في المهنة، وما إن لمحَ ذلك الرجلَ حتى فاضَ كيلُه وذكرَهُ بما لا يليق بعد مغادرته، كاشفاً أنه طردَهُ سابقاً لضيقِه بمساوماتِه التافهة، بل وعلمتُ أنهُ منبوذٌ ومطرودٌ من مكاتبِ القريةِ كافّة. وهنا تملكني شعورٌ يمزجُ بين الدهشةِ والافتخار؛ كيفَ حافظتُ على رصانتي معَه؟ بالرغمِ من تطفلِهِ الدائمِ بأسئلةٍ ساذجةٍ يُدركُها الصبيُّ الصغير، إلا أنني لم أضجر، بل كنتُ أهدمُ إلحاحَهُ بجدارٍ من التجاهلِ الذكيّ، مُتظاهراً بالانهماكِ في العملِ أو مُعرضاً عنه حينَ أشرعُ في خدمةِ زبونٍ آخر.
لم يكن مَيلي لعدمِ طردِهِ ضعفاً، بل هو ثباتٌ استلهمتُ كُنهَهُ من مشهدٍ رأيتُه لبائعِ ذهبٍ كان يُواجهُ زبوناً أحمقَ يحاولُ إثارةَ الفوضى لغرضِ التصوير، ورغمَ كلِّ الصخبِ، ظلَّ البائعُ محافظاً على هدوئِه الملكيّ، يقدمُ خِدمتَهُ بوقارٍ تام دُونَ أن تَنالَ من هيبتِه حماقاتُ الآخرين.
وحينها أدركتُ أن هذا الصمودَ هو الجوهرُ الحقيقيُّ لمفهومِ
'تحملِ ضغوطِ العمل'.
لقد وصلتُ إلى مرحلةٍ من البرودِ تمنحني السيادة؛ فكنتُ أحياناً أدفعهُ للمغادرةِ بذكاءٍ ودون إهانة، بأسئلةٍ متكررةٍ عن حاجتِه لخدماتٍ أخرى، أرددُها عليهِ بوقارٍ حتى يضيقَ ذرعاً ويغادرَ بملءِ إرادتِه.
أفتخرُ حقاً بأنني لا أنساقُ خلفَ انفعالاتِ الغضبِ البدائية، بل أُفضلُ النفاذَ إلى الثغراتِ النفسيةِ في شخصياتِ الآخرين، أتلاعبُ بردودِ أفعالِهم بدهاءٍ وعمق، مُحولاً الموقفَ لصالحي دونَ أن أتركَ في ذاكرتِهم ندبةً واحدةً تُشيرُ إلى أنني أسأتُ إليهم.



المهنة التي تعتمد على التعامل مع الجماهير تكسب صاحبها صبرا وفهم لطبيعة الناس