قد تكتشف يومًا أن معظم قراراتك في الحياة لم تكن قراراتٍ واعية كما كنت تظن، بل استجاباتٍ تلقائية صنعتها مخاوف قديمة. ذلك الصوت الداخلي الذي تستند إليه، وتعتقد أنه يمثل الحقيقة أو الرأي الأصوب، لم يولد حكيمًا، وإنما تكوّن شيئًا فشيئًا، حتى اشتدّ سلطانه، وأصبح صاحب الكلمة العليا في شخصيتك. ولعلّ أخطر ما في الأمر، أنك لا تشك فيه؛ لأنه يتحدث بلسان اليقين، بينما هو في كثير من الأحيان لا يتحدث إلا بلسان الخوف. ولهذا، تجد نفسك تميل إلى الخيارات التي تُجنبك الخطأ، لا إلى الخيارات التي قد تقودك إلى حياةٍ أوسع. فتعيش حذرًا أكثر مما تعيش شجاعًا، وتنجو أكثر مما تكتشف، وكأن الغاية من الحياة ألّا تسقط، لا أن تمضي.
ومن هنا، ينبغي أن تُراجع مفهوم الخطأ نفسه. فالخطأ ليس خطأً فحسب، بل طريقٌ من الطرق التي تُسلك حتى يُعرف الطريق الأنسب. وما التجربة إلا سلسلة من المحاولات، يُستبعد فيها ما لا يصلح، حتى لا يبقى إلا ما يستحق أن يُختار. ولو أصبت من أول محاولة، لما عرفت لماذا كانت صائبة أصلًا. وكذلك الفشل، فما أكثر ما أُسيء فهمه. يظنه الناس نقيض النجاح، وهو في حقيقته أحد أعظم أسبابه. بل لعلّك لو أدركت معناه حق الإدراك، لتمنيت أن يأتيك في أوانه، لأنه يكشف لك ما لا يكشفه النجاح، ويعلّمك ما لا تعلّمه النتائج السهلة. فلولا توفيق الله، ثم المحاولات التي انتهت بالفشل، لما استطعت أن تميّز بين الطريق الذي ينبغي أن تمضي فيه، والطريق الذي كان ينبغي أن تتركه.
فالفشل لا يُضعف الإنسان، وإنما يُقوّي جذع قراراته، ويُهذّب حكمته، ويمنحه من البصيرة ما لا تمنحه النجاحات المتعاقبة. إذ من العسير أن تعرف حقيقة شيءٍ دون أن ترى نقيضه، وأن تُدرك قيمة الصواب قبل أن تختبر الخطأ، وأن تبلغ الحكمة قبل أن تُجرّب، وتتعثر، ثم تتعلّم. فربما كانت أعظم القرارات التي ستغيّر حياتك، هي تلك التي أخافك صوتك الداخلي منها، لا لأنها خاطئة، بل لأنها كانت تتطلب منك شجاعةً لم يعتدها.


