كانت الساعةُ تشيرُ إلى "الندمِ تماماً".
"تتجاهل المرأةُ الرجلَ لتبتليَ إصراره وتعرف مدى تمسكه بها، بينما يرى الرجل في تجاهلها نَيلاً من كرامته فيقرر الرحيل. حينها تبكي هي 'لأنه لم يقاتل لأجلها'، ويبكي هو 'لأنه أُجبر على المضيّ'، وفي هذا الشتات.. يضيع اللقاء."
كانت الساعةُ تشيرُ إلى "الندمِ تماماً".
في مخدعها المثقل برائحة بخور "الجاوي" العتيقة، كانت (سديم) تُطبقُ أصابعها على خنجرٍ من العقيق، لم تكن تنوي استخدامه للقتل، بل لتستشعر ألماً مادياً يسرقها من وجعها المعنوي المبرح.
كانت ترقبُ خيال (جاسر) من وراء الزجاج، تراهُ يشدُّ لجام فرسه تحت ضوء القمر الشاحب، وتسمعُ صريرَ الجلدِ المطوع تحت يديه القويتين.
حتى حبات العرق على جبين (جاسر) لم تكن بفعل حرارة الجو، بل كانت "نزيف الكبرياء" الذي يأبى الانكسار.
همست (سديم) لنفسها وهي تخاطبُ طيفه : لو خطوتَ خطوةً واحدةً يا (جاسر).. لو طرقتَ البابَ بعنفِ المحتاج، لا بعجرفةِ الزوار، لفتحتُ لكَ قلبي قبل قفلي.
لكنك غبيٌّ بقدرِ ما أنتَ عزيز !
لم تكن تعلم أنها ببرودها المصطنع كانت تستدعي "شياطين الجفاء" التي تقتات على الانتظار، بينما كان هو يرى في صمتها إعداماً لا اختباراً.
في الخارج، وقف (جاسر) أمام الباب الخشبي البارد كجثة، وترددت يده في الهواء.
كان يصارعُ إعصاراً داخلياً، فالتنازل في قاموسه الموروث ليس إلا (خيانةً عظمى) للنفس. لم يكن يعلم أن (سديم) مقيدة بوعدٍ قديم لروح والدها ألا تعطي قلبها إلا لـ 'رجلٍ يكسرُ المستحيل' لأجلها، كما لم تكن هي تعلم أنه أقسم فوق قبرِ جده ألا يحني رأسه لامرأةٍ تراهُ "لعبةً" لتمتحن صبره.
لقد كانا ضحيتيْ أقسامٍ لا ترحم، وعالقين في برزخٍ لا مخرج منه.
سحب (جاسر) لجام فرسه بحدة، وكان صريرُ الحوافر على الحصى يشبهُ تحطمَ العظام.
انطلقَ بعيداً والريحُ تصفعُ وجهه، بينما ارتمت (سديم) خلف الباب المغلق، تصرخ صرخةً مكتومة خنقتها في وسادتها لكي لا يسمعها العالم. رحل –دبلوماسيُّ الشوق–
لأنه لم يجد في صمتها مساحةً للتفاوض، ورحلت هي في شتاتِ البكاء لأن بطلها لم يكن –ديكتاتوراً– بما يكفي ليقتحمَ حياتها غصباً.
هكذا افترقا.. ليس لنقصٍ في المشاعر، بل لأن كلاً منهما كان ينتظر من الآخر أن يكون هو الشرارة.
بعد مرور عشرين عاماً :
مرت عشرون سنة كأنها لم تكن، إلا في جروح الوجوه وانحناء الظهور. في مدينة "هجر"، حيثُ تُباعُ الذكرياتُ.
لم يعد (جاسر) ذلك الفارس الذي يمتطي خيلاً، بل صار رجلاً يمتطي وقارَ السنين، يغزو الشيبُ مفرقه كأنها راياتُ استسلامٍ بيضاء رُفعت متأخرة.. أما (سديم)، فقد غدت سيدةً يحيط بها الصمتُ كوشاحٍ ملكي، عيناها تخفيان بحراً من المرافئ التي لم ترسُ فيها سفينةٌ قط.
التقيا عند بائعِ عطرٍ قديم.. التقت الأعينُ، فحدثَ في المدينةِ زلزالٌ صامتٌ لم تشعر بهِ إلا أرواحهما.
كانت الرائحةُ ذاتها "بخور الجاوي".
اقترب (جاسر)، وصوتهُ يخرجُ كأنهُ آتٍ من بئرٍ عميقة :
ءبعد عشرين عاماً.. ما زال البابُ موصداً يا (سديم)؟
نظرت إليه، وكان في نظرتها عتابُ دهورٍ كاملة، وقالت بصوتٍ بليغٍ جرحتهُ السنين :
البابُ لم يكن موصداً يا (جاسر).. البابُ كان ينتظرُ فقط أن يلمسهُ مَن يستحق، لكنك فضلتَ أن تموتَ غريباً على أن تعيشَ محارباً.
حبس (جاسر) أنفاسه، واقترب خطوةً واحدة، تلك الخطوة التي تأخرت عقدين من الزمان، وقال بمكرِ :
والآن.. وقد تحطمتْ السيوفُ وشاختْ الخيول، هل ما زالَ
الثمنُ هو الرأس المرفوع؟
متواجد معظم الوقت هنا :
ابتسمت (سديم) بمرارةٍ تفوقُ الوصف، وقبل أن تجيب، أطبقت (سديم) جفنيها لثانية واحدة، وكأنها تستجمع شتات أرواحٍ بعثرها الزمن، ثم فتحتهما لتُطلق رصاصةً لم يتوقعها (جاسر)..
ابتسمت (سديم) بمرارةٍ بليغة، وقالت وصوتها يهتز كوترٍ مشدود :
الثمنُ لم يكن يوماً رأسك يا (جاسر).. الثمنُ كان قلبي الذي أضعتهُ أنت في زحامِ كبريائك. والآن، لا تسأل عن الباب، بل اسأل عن البيتِ نفسهِ.. لقد هُدم، ولم يبقَ منهُ إلا الأطلال.
وفجأة، ومن خلفها، اقترب شابٌ في مقتبل العمر، يرتدي بزةً عسكريةً تشبه إلى حدٍّ مذهل تلك التي كان يرتديها (جاسر) في شبابه.
وضع الشاب يده على كتف (سديم) بحنو، وقال بصوتٍ رخيم :
أمي.. هل انتهيتِ من اختيار العطر؟
تسمّر (جاسر) في مكانه. كان الشاب نسخةً منه؛ ذات العينين الحادتين، وذات الوقفة المعتزة، بل وحتى ذات الندبة الصغيرة فوق الحاجب الأيمن. شحب وجه (جاسر)، واهتزت يديه وهو ينظر إلى الشاب ثم إلى (سديم)، وخرجت الكلمات من حنجرته متهدجة :
(سديم).. مَن هذا؟
نظرت إليه (سديم) بنظرةٍ تجمع بين الانتصار والانكسار، وقالت بلهجةٍ فخمة :
هذا هو 'جاسر'.. الابن الذي لم تنجبه أنت. هذا هو المحارب الذي علمتُه أن يحطم الأبواب لا أن يهرب منها. هذا هو كبريائي الذي صنعته من ركام خيبتي بك.
هنا وقعت الصدمة التي هزت كيان (جاسر)؛ لم تكن (سديم) قد تزوجت غيره، بل كانت قد "تبنّت" هذا اليتيم الذي وجدته في أعقاب حربٍ قديمة، وأطلقت عليه اسمه، ومنحته صفاته التي كانت تحبها، وصقلت فيه العيوب التي كانت تكرهها في (جاسر) "الأب".
لقد صنعت منه "الرجل المثالي" الذي تمنت أن يكون (جاسر) عليه.
تقدم الشاب نحو (جاسر)، ومد يده بمودة غريبة، وقال :
اسمي 'جاسر'.. وأمي حدثتني كثيراً عن رجلٍ كان يملكُ شجاعة الأسود، لكنه كان يفتقرُ إلى حكمةِ الانحناء. هل أنتَ هو؟
كانت اللحظةُ مشحونةً بتدفقٍ درامي يفوق الاحتمال. (جاسر) العجوز ينظر إلى صباهُ متمثلاً في هذا الشاب، ويرى في عيني (سديم) أنها لم تنلهُ كزوج، بل نالتهُ كـ "فكرة" طهرتها من رجس الكبرياء.
انحنى (جاسر) العجوز قليلاً –وهي الانحناءة التي انتظرها القدر عشرين عاماً– وطبع قبلةً على يد (سديم)، وهمس بأسلوب بليغ يملؤه الندم :
لقد فزتِ يا (سديم).. صنعتِ مني رجلاً لا يهرب، بينما كنتُ أنا مشغولاً بالهربِ من نفسي. لكن، هل يسمحُ الماضي لـ 'النسخة القديمة' أن تجلسَ يوماً على مائدةِ 'النسخة الجديدة'؟
التفتت (سديم)، وسارت نحو الأفق مع ابنها، وقبل أن تغيب عن ناظريه، قالت دون أن تلتفت :
الموائدُ لا ترحبُ بالموتى يا (جاسر).. لكننا قد نلتقي في الحكاية القادمة، لو تعلمتَ أن الحبَّ ليس حرباً ننتصرُ فيها، بل هو سلامٌ ننهزمُ فيه معاً.
غادرت المكان، وتركته واقفاً في ذهولٍ تام، يشمُّ رائحة بخور "الجاوي" التي لم تكن رائحة عطر هذه المرة، بل كانت رائحة "بخور الجنازة" لحبٍّ لم يقتلهُ القدر، بل قتلهُ "توقيتُ الاعتراف".
تسمّر (جاسر) في مكانه، يراقبُ طيفها الذي بدأ يبهتُ ويتلاشى في زحام المارة، كأنه حلمٌ يذوبُ عند أولِ شعاعٍ للفجر.
مَدَّ يدهُ ليلمسَ الهواءَ البارد، لكنَّ أصابعهُ لم تصطدم إلا بفراغٍ موحش.
وفجأة.. بدأت الأصواتُ من حولهِ تخفتُ تدريجياً، وحفيفُ الناسِ يتوارى، ورائحةُ بخور "الجاوي" بدأت تشتدُّ وتثقلُ حتى صارت تخنقُ الأنفاس. لم تكن (سديم) قد ابتعدت، بل كان المشهدُ كلهُ يبدأُ في "التشظي".
شعرَ بجدارٍ من الجليدِ يغزو أطرافه، وبصريرٍ حادٍ في أذنه يشبهُ صوتَ قلمٍ يكتبُ على ورقٍ قديم. فتحَ عينيهِ بصعوبة، ليجدَ نفسهُ ليس في "مدينة هجر"، ولا أمام بائعِ العطر، بل كان مستلقياً على أريكةٍ جلديةٍ في مكتبٍ فخم، تطلُّ نوافذهُ على ضبابِ مدينة "جرهاء" في السبعينيات.
كان هناك رجلٌ يجلسُ خلفَ المكتب، يضعُ نظاراته الطبية بوقار، ويمسكُ بقلمٍ ذهبي، ينظرُ إليه بهدوءٍ دبلوماسيٍّ عجيب.
كان هذا الرجلُ هو الشّاعر والكاتب الوحيد في تلك المدينة.
تجمّدَ (جاسر) في مكانه، وسأل بصوتٍ مبحوح :
أين أنا؟ وأين (سديم)؟ وأين ذلك الشاب الذي يشبهني؟
ابتسم (الشّاعر) بوقاره المعهود، ووضع القلمَ فوق مسودةِ روايةٍ لم تكتمل بعد، وقال بصوتهِ الرخيم :
(سديمُ) لم ترحل يا (جاسر).. لأنها لم تأتِ أصلاً. (سديمُ) كانت الحبرَ الذي نزفتهُ أنتَ فوق هذه الأوراق حين غلبكَ الحنينُ ذات ليلةٍ في الغربة. لقد كنتَ في غيبوبةٍ من الذكريات، تستحضرُ أبشع مخاوفك (أن تشيخَ وحيداً نادماً).
شعر (جاسر) بصدمةٍ تفوقُ الوصف. هل كانت عشرون عاماً من الشتات، ومواجهةِ الابنِ البديل، والقصيدةِ التي أبكت الروح، مجردَ "هذيانٍ" كُتبَ في لحظةِ وجعٍ أدبي؟
أكمل (الشّاعر) وهو يمدُّ لهُ مرآةً صغيرة :
انظر يا صديقي.. أنتَ لا تزالُ شاباً، ولا يزالُ شعركَ أسود كليلِ نجد، والبابُ الذي ظننتهُ موصداً بعشرين عاماً.. لا يزالُ يبعدُ عنك مسيرةَ عشرِ دقائق فقط. لقد كتبتُ لكَ نهايةً مأساوية لتعرفَ طعمَ الندمِ قبل أن تتجرعهُ حقيقةً. هل ستذهبُ إليها الآن.. أم ستنتظرُ حتى يكتملَ نصُّ الرواية وتصبحَ أنتَ ذلك العجوزَ الذي لا يجدُ مَن يدفنهُ سوى ذكرياته؟
انتفض (جاسر) من مكانه، العرقُ يصبُّ من جبينه، والرؤيةُ تتضحُ أمام عينيه.
ركض (جاسر) خارج المكتب، اندفع إلى الشوارع الباردة، لا يرى أمامه إلا صورة (سديم) الحقيقية، التي تنتظره الآن، خلف بابٍ لم يغلق بعد. بينما بقي (الشّاعر) في مكتبه، يبتسمُ بمرارةٍ خفيفة، ثم سحبَ المسودةَ التي كتبَ فيها مشهد "المواجهة بعد عشرين عاماً"، ومزقها ببطء، وهو يهمس لنفسه :
الحبُّ يا بني.. هو المعركةُ الوحيدة التي نكسبها حين نعلنُ فيها استسلامنا.
ثم أمسك بقلمه من جديد، ليرسمَ نصًا آخراً لا يقتلهُ "توقيتُ الاعتراف"، بل يحييهِ "شجاعةُ الانحناء".
عاد (جاسر) عند عتبة الباب، والتفت إلى (الشّاعر) الذي كان يهمُّ بإغلاق دواته. قال (جاسر) وصوته يرتجفُ بين رهبة الموقف وعنفوان العاطفة :
يا شاعر.. أريدُ شعراً يجمعُ بين ذلِّ العاشقِ وعزةِ الفارس، غزلاً لا يكسرُ شموخي، وبوحاً يذيبُ جليدها. أريدُ بياناً يخبرُ سديم) أنني ما انحنيتُ إلا لأقطفَ لها زهرةَ روحي).
ابتسم (الشّاعر)، واتكأ بذقنه على يده، ثم ارتجل بأسلوبه الساحر هذه الأبيات :
أَتَيْتُكِ.. وَالكِبْرِيَاءُ يَجُرُّ خَطْوِي ... وَفِي عَيْنِيَّ مِنْ شَوْقِي زِحَامُ
أَنَا الصَّعْبُ الَّذِي لَمْ يُثْنِهِ بَأْسٌ ... وَلَكِنْ.. فِي حِمَى حُسْنِكِ أُضَامُ
أُحِبُّكِ.. لَا ذَلِيلًا يَبْتَغِي صَفْحاً ... وَلَكِنْ حَاكِماً.. أَعْيَاهُ هِيَامُ
تَجَاهَلْتُكِ.. كَيْ أَرَى أَرَأَيْتِ نَارِي؟ ... فَكِدْنَا فِي غَيَاهِبِنَا نُضَامُ
فَمُدِّي لِي يَدَ الوَصْلِ الَّتِي طَالَتْ ... فَخَلْفَ الصَّمْتِ مَوْتٌ.. أَوْ سَلَامُ
فَمَا كَانَ انْحِنَائِي ضَعْفَ صَبْرٍ ... وَلَكِنْ.. لِلْمَلِيحَةِ يُحْنَى الهَامُ!



تحفة فنية كهذه ، متاح للجميع قراءتها مجاناً ؟
كريم هو كاتب هذه الكلمات