كيف يمكن الذكاء الأجتماعي التأثير بحياتك؟
ولوقتٍ طويل، ظننت أنّ هذا مجرّدُ ذكاءٍ اجتماعي، لا أكثر.
كنتُ دائمًا أعتقدُ أنّ قدرتي على التأقلم شيءٌ عاديٌّ، مهارةٌ اجتماعية بديهية يمتلكها أيُّ شخصٍ يعرف كيف يعيش وسط الناس، لكنني مع الوقت بدأتُ أتوقّفُ أمامها طويلًا، أتأملها كما يتأمل المرء عادةً شيئًا كان يظنه بسيطًا، ثم يكتشف أنه أكثر تعقيدًا مما تخيّل.
أتذكّر إحدى علاقات العمل التي مررتُ بها لفترة ليست بالقصيرة، وكيف كنتُ أراقب نفسي هناك بصمت. لم أكن الشخص ذاته مع الجميع، ولا بالطريقة ذاتها. كنتُ أفهم المكان أولًا، أقرأ طباع الناس، نبرة المزاح المقبولة، حدود الجدية، الشخص الذي يحب المسافة، والذي يطمئن بالقرب، من يتحدث كثيرًا ليُخفي قلقه، ومن يصمت لأنه اعتاد ألّا يُفهم. كنتُ ألتقط كل ذلك بسرعة غريبة، ثم أتحرّك بناءً عليه، كأنني أُعيد تشكيل طريقتي بانسيابية دون أن أشعر.
ولوقتٍ طويل، ظننت أنّ هذا مجرّدُ ذكاءٍ اجتماعي، لا أكثر.
لكن ما شدّني فعلًا.. أنني كنتُ أعود إلى البيت أحيانًا وأشعر بتعبٍ لا يُفسَّر. ليس تعب العمل نفسه، بل تعبُ المحافظةِ على النسخة المناسبة طوال الوقت. أن تكون واعيًا لكل تفصيل إلى هذا الحد أمرٌ مرهق أكثر مما تبدو عليه الصورة. لأنك لا تتعامل فقط، بل تُراقب نفسك وأنت تتعامل، تُعدّل نبرتك، تختار كلماتك، تُخفّف جزءًا من شخصيتك هنا، وتُظهر جزءًا آخر هناك، حتى تسير الأمور بسلاسة.
والغريب أن الناس غالبًا يحبّون هذه النسخ المتكيفة منك، لأنك تمنح كل شخص المساحة التي تناسبه، وتعرف كيف تجعل وجودك مريحًا دون افتعال، لكن قلّةٌ فقط تنتبه إلى أنّ الشخص الذي يتأقلم كثيرًا.. قد يبتعد عن نفسه دون أن يشعر.
أعتقد أنني لم أكن أبحث عن القبول بقدر ما كنت أبحث عن الاستقرار، عن علاقة تسير بأقل قدر ممكن من التصادم، ولذلك كنتُ مرنًا أكثر مما ينبغي أحيانًا. لم أكن مزيّفًا، وهذه أكثرُ نقطةٍ كنتُ أفكر بها، لأن كل نسخة كنتُ أُظهرها كانت حقيقية فعلًا، لكنها ليست الحقيقة كاملة. كأنني أمتلك عدة وجوه صادقة في الوقت ذاته، وأختار منها ما يناسب الجوّ المحيط.
ولهذا، كنت أستغرب دائمًا من الناس حين يظنون أن فهم الشخص يعني التشابه معه. بينما أنا كنت أرى الأمر بشكل مختلف تمامًا، كنت أرى أن بعض البشر لا يحتاجون مَن يُشبههم، بل مَن يعرف كيف يحتوي فوضاهم دون أن يبتلعها. وربما لهذا السبب تحديدًا، كنتُ أجد نفسي أحيانًا مع أشخاص لا يفهم الآخرون سبب احتمالي لهم أصلًا.
أتذكّر أن كثيرين كانوا يلومونني على إحدى صداقاتي، وكان السؤال يتكرر باستغرابٍ.. كيف تستطيع مجاراة شخصٍ مرهق إلى هذا الحد؟ شخص مستفز، لا يتقبّل النصيحة، ويندفع بقلة لياقة اجتماعية في كثير من المواقف. والغريب أنني لم أكن أشعر بذلك الثقل الذي يراه الجميع. نعم، كنت أرى عيوبه بوضوح، وربما أشدَّ وضوحاً منهم، لكنني كنت أرى أيضًا ما خلفها، ذلك الاضطراب الذي يجعله يتصرّف بهذا الشكل، ذلك الاحتياج غير المعلن لأن يشعر أن هناك من لا يستعدي وجوده باستمرار.
لم أكن أجامله، ولم أكن أوافقه دائمًا، لكنني كنت أعرف كيف أترك له مساحة يهدأ فيها بدل أن يشتعل أكثر. وفي فتراتٍ معينة، خصوصًا حين كانت ظروفه سيئة، كنت ألاحظ كيف يتغيّر أسلوبه بمجرد أن يشعر أن أحدًا لا يتعامل معه كعبء. كان غضبه يخفّ، ونبرة الانتقام داخله تهدأ، وحتى اندفاعه نحو قرارات غبية كان يتراجع أحيانًا فقط لأنه وجد شخصًا يسمعه دون استفزاز إضافي.
وأذكر أنني في فترةٍ سابقة كنت أعمل في مكتبة للطباعة، وكان هناك رجل معروف بين مكاتب المنطقة كلها، لدرجة أن أغلب الأماكن طردته أو حاولت التخلّص منه بسرعة. أسئلته كثيرة، متكررة، بديهية إلى حدّ الاستفزاز أحيانًا، وطريقته في الحديث تستنزف صبر أي شخص. لكن ما شدّني وقتها ليس تصرّف الناس معه، بل ردُّ فعلي أنا.
لم أحاول طرده، ولم أتعامل معه بعدائية كما فعل الآخرون، بل فعلت شيئًا عكسيًا تمامًا. بدأتُ بسؤاله، أفتح معه مواضيع جانبية، أستفسر عن أشياء لا علاقة لها بما يريد، وأُشعره أن الحوار ليس معركة يجب أن يربحها. والمفارقة؟ أنه كان يهدأ تدريجيًا، ثم يغادر وحده بهدوء، دون المشكلة المعتادة التي كان يتركها خلفه في كل مكان.
وقتها بدأت ألاحظ شيئًا لم أنتبه له عن نفسي من قبل.
أنني لا أتعامل مع الناس من ظاهر تصرّفاتهم فقط، بل مع الدافع المختبئ خلفها. أقرأ التوتر قبل الكلمة، والانفعال قبل الصوت، وأفهم أحيانًا أن بعض البشر لا يحتاجون ردعًا بقدر ما يحتاجون طريقة مختلفة في التعامل. وربما لهذا كنت أستطيع احتواء مواقف تستنزف غيري، لا لأنني أملك صبرًا خارقًا، بل لأنني لا آخذ كل شيء بشكل شخصي.
والأغرب أنني كنت دائمًا أرى الذكاء الاجتماعي والعاطفي شيئًا يخصّ الشخصيات المبهرة، أولئك الذين يدخلون أي مكان فيلتفت الجميع إليهم، الناس الذين يملكون حضورًا استثنائيًا وقدرة واضحة على التأثير. لم أتوقع يومًا أنني أمتلك شيئًا من ذلك, لأنني لم أكن أمارسه باستعراض، بل بعفوية هادئة، بطريقة تكاد لا تُلاحظ.
لكنني بدأت أفهم لاحقًا أن بعض أنواع الذكاء لا تظهر في الحديث الجميل، بل في قدرتك على قراءة البشر دون أن تُشعرهم بأنك تراقبهم، في أن تعرف متى تُصعّد، ومتى تمتصّ الموقف، ومتى يكون الاحتواء أذكى من المواجهة. وربما لهذا كنت أستطيع الدخول إلى بيئات مختلفة، والتكيّف معها دون ضجيج، لأنني لم أكن أحاول السيطرة على الناس.. كنت فقط أفهم إيقاعهم بسرعة.
ومع كل هذا، كانت هناك فكرة لا تفارقني.. كم شخصًا عرفني فعلًا وسط كل تلك النسخ المتأقلمة؟ كم واحد رأى الشخص الحقيقي بعيدًا عن كل هذا الفهم، والمرونة، والقدرة على الاحتواء؟ لا أحد تقريبًا. لأن الذين يفهمون الجميع غالبًا.. لا يتوقّف أحد ليسألهم عمّا بداخلهم هم.



الأمر مرهق جدا لدرجة انني في وقت ما صرت اكره اطلع من غرفتي لأن مافي حد راح يفهمني وأنا ماألوم الناس لأنهم اصلا ما يعرفو شخصيتي الحقيقية
أنا كذا بس غالباً اصف نفسي كمحللة وحساسه اركز على جميع التصرفات وأتأثر فيها بشكل شخصي