جرّبت اعيش كشخصية اجتماعية
منذ زمنٍ وأنا أتهيّأ نفسيًّا لأقصّ هذه الحكاية التي لم تكن مجرّد تجربة اجتماعية عابرة، بل كانت تمرينًا طويل المدى على فنّ قراءة البشر، ومراقبة العقول وهي تتحرّك خلف الوجوه. فالإنسان –كما تُجمع عليه الفطرة– اجتماعيٌّ بطبعه، غير أنّ مَن يألف العزلة ويجد فيها هدوءه، يعرف أنّ مجرّد التحدّث مع الغريب هو اقتحامٌ لحصنٍ داخليّ شُيّد على مهل.
بعد المرحلة الثانوية، خالطت برجل اجتماعي حتى النخاع، يمتلك تلك البساطة الذكية التي تُسقط الحواجز بابتسامة، وتذيب التحفّظ كما يذوب الملح في الماء. كنت، بعد أن أفرغ جهدي في المحاضرات، ألتقط هاتفي لأدعوه إلى لقائنا المعتاد، فلا يجيب حتى أسمع صوتًا آخر بجواره، وحين ألقاه أراه يصافح وجهًا جديدًا، ويتحدّث إليه وكأنّ بينهما أعوامًا من الصُحبة. كان يصنع العلاقات كما يسكب الماء في كأس، بسلاسةٍ لا تعلّمها كتب. ومع الأيام، بدأت ألتقط من طريقته خيوطًا أرقّ من أن يراها الآخرون.
كيف يقرأ الملامح قبل الكلمات، وكيف يلتقط التردّد في نظرة، أو الحذر في نبرة، أو الانفتاح في إيماءة عابرة. تعلّمت منه أنّ الدخول على مكتب مدير ليس اقتحامًا لعرين، بل استثمارٌ للحظة يمكن أن تبني علاقة أو تصنع منفعة متبادلة. ومع اختلاف أعمار من ألتقيهم، صار حضوري بينهم تمرينًا على الملاحظة الفائقة؛ أن تميّز من يبتسم بعينيه، ومن يبتسم بفمه فقط، ومن يصغي لأنّه يريد الفهم، ومن يصغي لأنّه ينتظر دوره في الكلام. تعلّمت أنّ رفض الآخر ليس خسارة، بل أداةٌ لصقل الحدس وتحسين التقدير. لكنّ هذا الانفتاح، بكل ما حمله من مهارات، كان يسرق شيئًا من جوهري. لم أكن أنا حين أتكلّم، بل نسخةً مهذّبة بما يكفي لتناسب الجميع، نسخةً تمنحهم شعور الانتماء وهم ليسوا بيتي ولا أهلي. كنت أقف بينهم وأشعر أنّني أراقب المشهد من وراء زجاج، لا أنغمس فيه. لم أرَ حولي من يُشبهني، ولم أشعر أنّي أمتدّ في أحدهم. ثم جاءت الإجازة، فهدأ الضجيج، وعدت إلى عزلتي، أراجع خطواتي، وأزرع في نفسي عادات جديدة. لكن حين عدت، وجدت أنّي عدت غريبًا حتى عن ذاتي، كأنّ رجلاً يشبهني قد أخذ مكاني. لم أعد أبحر في أفكاري كما كنت، ولا أغوص في أعماقي بالصفاء ذاته، حتى أحاديث الهاتف باتت مجرّدة من الدفء، والكلمات النصية بلا ملامح ولا حرارة، والنوايا –إن انكشفت– بدت وكأنّها تفتقر إلى صدق اللحظة. واليوم، أبحث عن صيغة ثالثة، صيغة تحفظ لي عزلتي التي تحرس روحي، وتمنحني في الوقت ذاته انفتاحًا لا يلتهم ملامحي، أن أكون حاضرًا بلا ابتذال، قريبًا بلا انكشاف، أرى من حيث لا أُرى، وأراقب بعينٍ تلتقط التفاصيل التي تهرب من سواي، وأحفظ سلامي كما يُحفظ الكنز في أعمق أعماق البحر.



"أحيانًا نكتشف أن أجمل مراحلنا تبدأ حين نكسر الحواجز التي بنيناها حول أنفسنا، فنفتح قلوبنا لنفهم الآخرين وندعهم يفهموننا، هناك تبدأ الحكاية الحقيقية."
حبيت كلامك وًطريقة طرحك لقصتك
و أعجبت وًتعجبت في فكرة خالجتني أنني امر بنفس المراحل التي وصفتها .فتراني أفكر كيف اخلق الجانب الثالث لأحقق التوازن الذي فقدته .