غريبٌ وسط المعارف.. معروف وسط الغُرباء.
ثَمَّةَ نوعٌ من الموتِ لا تُقامُ له جنائز، وهو أن تجلسَ على مائدةٍ محاطةٍ بوجوهٍ تحملُ جيناتِكَ أو ذكرياتِك، لكنكَ تشعرُ أنَّ ملامحَ روحِكَ قد طُمِست في عيونِهم كحبرٍ قديمٍ سالَ تحتَ مطرِ الإهمال، فتغدو غريباً وسطَ المَعارف، كأنكَ هامِشٌ منسيٌّ في روايةٍ هم أبطالُها، يمرونَ فوقَ وجعِكَ كما يمرُّ العابرونَ فوقَ رصيفٍ مألوف، لا يسترعي انتباهَهم تشقُّقُه ولا يَعنيهم أنينُ خُطاه، تبذلُ لهم ضياءَكَ فيحسبونَهُ واجباً، وتُهدي ليلَهم نجومَ قلبِكَ فيرونَها حقاً مُكتسباً، حتى تضيقَ بكَ جدرانُ الألفةِ الباردة، وتشعرَ أنَّ أنفاسَكَ أصبحت زجاجاً يتهشمُ في حنجرةِ الصمت، يا لهُ من خذلانٍ فاخرٍ أن تضطرَّ لشرحِ نفسِكَ لمن يُفترضُ أنهم يقرؤونَ صمتَك! ولكنَّ المعجزةَ تبدأُ حينَ تغادرُ أسوارَهم المنيعة، فتمشي في أزقةِ الغرباءِ حاملاً انكسارَك، فإذ بالوجوهِ التي لم تلمحْكَ يوماً تنحني لجلالِ حزنِك، وتجدُ نفسَكَ معروفاً وسطَ الغرباء، كأنَّ في نبرةِ صوتِكَ لحناً سماوياً يعرفونَهُ بالفطرة، وكأنَّ في عينيكَ تضاريسَ وطنٍ يبحثونَ عنه، يقرؤونَ فيكَ ما عجزَ الأقربون عن تهجئتِه، ويحتفونَ بـ أناكَ التي أهدرَها الجحود، هناكَ بين مَن لا يعرفونَ اسمَ جَدِّكَ ولا لونَ طفولتِك، تُبنى لكَ قصورٌ من التقدير، وتُفرشُ لكَ سجاداتُ الاحترامِ لأنهم رأوا الجوهرَ لا القرابة، هو عتابٌ يرتدي ثوبَ الاستغناءِ المُرّ، وصرخةٌ مكتومةٌ في وجهِ كلِّ مَن استصغرَ ثباتَك، فالعظيمُ لا يَصغرُ بجهلِ الجاهلين، والماسُ يظلُّ ماساً وإنْ ظنّهُ العميانُ حجراً، سأتركُ للأقربينَ حطامَ ذكرياتي ليقتاتوا عليها في شتائِهم القادم، وأمضي نحو غريبٍ يرى في انكساري شموخاً، وفي صمتي بلاغةً، وفي غربتي وطناً، فسلامٌ على مَن عَرَفونا في الزحام، وحسرةٌ على مَن أضاعونا وهم يمسكونَ بأيدينا.



ربما لم نخسر شيئًا حين ضاق بنا الأقربون، بل اكتشفنا أن الروح لا تُقاس بقرابة الدم، بل بقرابة الفهم فالغريب الذي يرى حقيقتك نعمة، والقريب الذي يعجز عن قراءتك درسٌ في معرفة النفس
نحن الأدباء نحب أن نشعر بالحزن والشجن فتكتمل عندنا التحربة الشعورية ونبدع فى الأدب ولا نرى السعادة فيمن حولنا ،فلتكن لنا وقفة حاسمة بين حب الحياة والأهل والمجتمع وحب المشاعر والشجن ،بعدها سنكتب للمجتمع وللناس كلها ونتخطى حدود أنفسنا ومخاوفها.