ستبصرينَ صورتَهُ صدفةً - رواية قصيرة / شِعر
أردتُكِ زوجةً لي..
رمقتُكِ خلسةً
رغم جفائكِ.. كانت تسكنكِ رغبةٌ بالبقاء
أن أمكثَ بجواركِ
أن نعودَ كما كنا
أن نحظى بتلك اللحظاتِ الدافئةِ بالفؤاد
رغم زمهريرِ الأجواءِ المحيطة
دافئةٌ بالأحضان
باردةٌ في لحظاتِ الوداع
مترددةٌ.. وجلةٌ من الفراقِ عند الرحيل
باردٌ هو.. في انتظارِ قراركِ
يبسطُ أمامكِ خياراتِكِ كلَّها
تقررين الغيابَ أو البقاء
لا يثنيكِ عن رحيلٍ، ولا يضطركِ لبقاء
غريبٌ في طباعِهِ
ساكنٌ في اللحظاتِ التي تستوجبُ الانصهار
لا يمكنُ التنبؤُ بمدارِهِ
ساحرٌ بفيضِ عينيه
ملامحُهُ عاديةٌ.. إن قورنتْ بحبِّكِ الأول
نعم، ليس وسيمًا كما اشتهيتِ
لكنها شخصيتُه..
فقط روحُه..
فقط ضحكتُه..
فقط جِدالُه..
فقط ذكاؤُه..
فقط كتاباتُه..
فقط أشعارُه..
هي من أغوتكِ بالتعلقِ به
لكنه الرجلُ المثاليُّ ليكونَ سكنَكِ
جميلةٌ هي اللحظاتُ حين تُرى بعينِ الطفولة
خفيفةٌ في الذكرى.. ثقيلةٌ في المشاعر
ضئيلةٌ في المبنى.. شاهقةٌ في الروح
نعم، هجرَ عملَهُ لأجلكِ.. لِيغترب
ويرحل
ويترك
ويغادر
ويمضي
ليكونَ أدنى إليكِ
ليبقى بظِلِّكِ
يتجرعُ مرارةَ الظروف
لكنه يختارُ الصمودَ بجانبكِ
يراقبُكِ..
يقتفي تفاصيلَكِ المتناهيةَ في الصغر
يلاحظُكِ..
يفهمُكِ..
يُرضيكِ..
يحتويكِ..
يراكِ..
يُضحكُكِ..
يحتضنُكِ..
يتذكرُكِ..
ينتظرُكِ..
يسمعُكِ..
يراسلُكِ..
نعم.. هو قد
يتناسى
يتغابى
يتذاكى
لكنه -على الأقل- يتقنُ لغةَ التوددِ إليكِ.
الآن.. يعيشُ كأيِّ غريبٍ آخر
ستبصرينَ صورتَهُ صدفةً
ستصطدمُ عيناكِ بملامحهِ بغتةً
وتدركينَ حينها كيف كانتْ تلك الملامح
كم تبدو عاديةً الآن !
ستحدقينَ بجمودٍ أشدّ..
سيقشعرُّ جسدُكِ، وتغيمُ الرؤيةُ في عينيكِ تدريجيًا
سيبدأُ عقلُكِ بنسجِ غشاوةٍ من سديم..
ليريكِ ماضيكِ معَهُ
كم كنتِ ترينَهُ بعينٍ مختلفة..
عينٍ بسيطةٍ، هادئةٍ، لا تكترثُ للقشور
بل تنفذُ للمعنى والمصداقية
عينٍ تستوعبُ مدى أهميةِ وجودِ كتفٍ تستندينَ إليها..
حتى في تلك الأيامِ العجاف.
أرادكِ شريكةً.. تشجعينَهُ وتصفقينَ لهُ حين يتجرعُ دروسَ الحياة
أن تبقيْ معَهُ حين ينهشُهُ التعب
تستقبلينَهُ بلهفةِ العائدِ من تيهٍ.. بعد يومٍ شاق
تبتسمينَ بتلك الابتسامةِ..
لتُشرقَ حياتُهُ بوهجِ ثغركِ
تلك الابتسامةِ الرائعةِ، المدهشةِ، الفنية
التي تبعثُهُ حيًّا من عقرِ عتمتِهِ
يقفُ الآن في زاويةِ شارعٍ فسيح
يجلسُ على حافةِ الرصيفِ يرقبُ تلألؤَ تلك النجمة
يؤنسُهُ بريقُها.. وبجوارِها القمر.. كأنه حارسُها الأمين
أنتِ النجمةُ.. وهو القمر.
تضعينَ رأسَكِ على كتفِهِ.. وتضمّينَ ذراعَهُ إليكِ.
لربما احتدمتِ المشاكلُ بينكما..
فترحلينَ بمحضِ إرادتكِ.. وتثورينَ غضبًا في وجهِهِ
تركلينَ ساقَهُ ليمضي.. تطلبينَ فراقَهُ
لكنه -ويا للأسف، ويا لسذاجتِهِ كما تصفين-
يخشى خدشَ مشاعركِ.. فيلوذُ بالصمتِ ويرحل
وفي رحيلِهِ هدوءٌ قاتل..
بينما أعماقُكِ تصرخُ ليبقى
لم تقصدي تلك الكلماتِ اللاذعة
فقلبكِ نقيٌّ.. لكنها عواصفُ المَشاعر
وهو لم يدركْ كنهَها تمامًا
ليعودَ غدًا وكأن شيئًا لم يكن
فيتركُها للأبد.. دون أن ينساها ثانيةً واحدةً طوالَ عمرِهِ
ويبقى يقتفي أثركِ في وجوهِ العابرين
وتبقى علاقتُكما محايدةً..
تغلفُها عزةُ نفسٍ لا تنحني لكليهما.
تَمَهَّلِي.. وَاقْرَئِي نَبْضِي وِدَادَا .. فَقَدْ كُنْتِ لِخَافِقِيَ العِمَادَا
نَظَرْتُ إِلَيْكِ خَلْسَةَ مُسْتَهَامٍ .. يَرَى فِي طَرْفِكِ الكَوْنَ اسْتَعَادَا
كَرِهْتِ مَلَامِحِي وَبَرُودَ طَبْعِي .. وَنَفْسُكِ تَشْتَهِي الوَصْلَ اعْتِيَادَا
نَعُودُ كَمَا بَدَأْنَا فِي عِنَاقٍ .. يُذِيبُ بِنَارِهِ ثَلْجاً تَمَادَى
فُؤَادٌ لاهِبٌ وَالجَوُّ قُرٌّ .. وَلَحْظُ الوَجْدِ يَسْتَعِرُ اتِّقَادَا
تَرَدَّدْتِ.. وَفِي التَّوْدِيعِ خَوْفٌ .. كَمَنْ يَرْجُو مِنَ البَيْنِ الِارْتِدَادَا
أُخَيِّرُكِ الرَّحِيلَ بِلَا مَلَامٍ .. وَمَا اسْتَعْمَلْتُ ضَغْطاً أَوْ فَسَادَا
غَرِيبٌ.. بَارِدٌ حِيْنَ التَّلَاهِي .. سَكُونٌ.. لَا يُحِبُّ الِاحْتِشَادَا
وَمَا كُنْتُ الوَسِيمَ كَحُبِّكِ المَاضِي .. الذِي جَعَلَ المُنَى سُهَادَا
وَلَكِنِّي مَلَكْتُكِ بِالتَّسَامِي .. وَفِكْرٍ صَاغَ مِنْ عَقْلِي جِيَادَا
بِأَشْعَارِي.. بِنَبْضِ كِتَابَاتِي .. بِرُوحِي.. قَدْ مَلَكْتُكِ وَانْفِرَادَا
فَيَا مَنْ كُنْتِ جَنَّاتِي وَدُنْيَا .. وَيَا ظَبْياً بِصَدْرِي قَدْ تَهَادَى
جَمَالُكِ فِتْنَةٌ عَبَرَتْ خَيَالِي .. فَصَيَّرْتُ القَصَائِدَ لَكِ مِهَادَا
تَرَكْتُ العَيْشَ وَالأَعْمَالَ طُرًّا .. لِأَدْنُوَ مِنْ مَدَاكِ لِيَ اعْتِمَادَا
أُرَاقِبُ خَطْوَكِ المَجْنُونَ حُبًّا .. وَأَفْهَمُ صَمْتَكِ الطَّاغِي عِنَادَا
أَرَاكِ.. أُحِسُّ بِي مِنْكِ اقْتِرَاباً .. وَأُسْكِنُكِ الحَنَايَا وَالفُؤَادَا
غَدًا تَرَيْنَ صُورَتِيَ اعْتِبَاطاً .. فَيَرْتَجِفُ الكِيَانُ بِمَا اسْتَعَادَا
مَلَامِحُ "عَادِيٍّ" فِي عَيْنِ غَيْرِي .. وَلَكِنْ كُنْتِ تَرَيْنَهَا المُرَادَا
لِأَنَّكِ كُنْتِ تَنْظُرِي لِلْمَعَانِي .. وَصِدْقِ الوَجْدِ إِنْ خَطَّ المِدَادَا
تَبَسَّمِي لِي، فَمَا الحُبُّ إِلَّا .. ضِيَاءٌ يَطْرُدُ الظُّلَمَ الشَّدَادَا
أَنَا القَمَرُ الحَزِينُ وَأَنْتِ نَجْمٌ .. يُقَدِّسُ عِشْقَنَا كَوْناً مُبَادَا
رَحَلْتِ، وَرَكْلَةُ السَّاقِ احْتِجَاجٌ .. وَصَمْتِي كَانَ لِلْجُرْحِ اعْتِقَادَا
خَشِيْتُ خَدْشَ مَشَاعِرِكِ الرِّقَاقِ .. فَمَلَّكْتُ الغِيَابَ بِيَ القِيَادَا
نَقِيُّ القَلْبِ أَنْتِ، وَإِنْ قَسَوْتِ .. وَلَكِنَّ الرَّحِيلَ غَدَا سَدَادَا
بَقِيْتُ أَبْحَثُ عَنْكِ فِي وُجُوهٍ .. وَمَا نَقَصَ الحَنِينُ وَلَا اسْتَفَادَا
تَمَّــت.
- زَكـرِيَّا بن عَـلِيّ



يعني عمري ما قرأت شعر بهيجي جماللللل
من أرقَى وأبهَى ما قرأتُه عينَاي