لا تكرههم، فقط إنسحب.
بعضُ الوجوهِ تمرُّ في حياتِك مرَّ السَّحابِ العابرِ على صحراءَ مترامية؛ لا تُمطِرُكَ ولا تُجدِبُكَ، وإنَّما تتركُ فيكَ أثرًا خفيًّا لا تدري لِمَ يلازمُك. لم أكرهْهم يومًا، فما كنتُ لأستهلكَ قلبي في مشروعٍ عقيمٍ اسمه الكراهية، إذ الكراهيةُ نارٌ تحتاجُ إلى وقودٍ ورعاية، وأنا لستُ بوابَ جحيمٍ لأُبقيها متَّقدة. لكنَّ المشاعرَ لا تموتُ بغتةً كما تُطفَأُ الشمعةُ بريحٍ عاصفٍ، بل تتحوَّلُ كما يتحوَّلُ مجرى النَّهرِ فيلتفُّ عن السَّهلِ إلى وادٍ جديد. صرتُ أحبُّ لهم الخيرَ من بعيد، وأتمنَّى أن يُظلَّهم الرَّخاءُ، لكنَّ قربَهم لم يَعُد يُثيرُ فيَّ حنينًا ولا يُلهبُ في داخلي جذوةً، صار القربُ ثِقلاً لا دفئًا. إنّي أدركتُ أنّ البُعدَ ليس دائمًا عقوبة، وأنَّ القُربَ ليس دائمًا نعمة، فكم من قريبٍ أثقَلَ القلبَ بما لا يُحتَمل، وكم من بعيدٍ ظلَّ في الدُّعاءِ حيًّا لا يغيب. والحياةُ تُعلِّمُنا أنّ المرءَ لا يُقاسُ بمسافةِ الكرسيِّ الذي يشغلُه بجانبنا، بل بمسافةِ القلبِ التي يصنعُها في أعماقِنا. وكما قالوا "البعيدُ عن العين، قريبٌ من القلب.”
وقد صدقوا، فإنّ بعض الغِيابِ أصفى من حضورٍ مُثقلٍ بالادّعاء. تعلَّمتُ أنّ أثقلَ الأعباءِ أن تُلازمَ من لا يُشبهُك، وأنقى الحُريّات أن تُقرِّرَ الانسحابَ بلا ضجيجٍ ولا بيان. إنّك إن تركتَ علاقةً تُنهكُ روحك، فإنك لا تخسرُ شيئًا، بل تُستردُّ نفسُك التي كادت تُصادر. ولقد شبَّهوا القلوبَ بالقِرابِ، فما امتلأ منها فاضَ، فإن ملأتهُ بأثقالٍ لا تُسمنُ ولا تُغني، كان الفيضُ وبالًا. وها أنا اليومَ لا أجدُ لزومًا أن أُبقِيَهم في مركبي، فالسَّفينةُ إن ازدحمت غرقت، والعُمرُ إن استُهلكَ في غير ذي جدوى تبدَّد. أحبُّ لهم الخيرَ كما يُحبُّ الغريبُ للمسافرِ أن يبلغَ مأمنَه، لكن دون أن أُصرَّ على أن يُشاركَني الدَّرب. أجل، أجملُ أشكالِ المودّةِ أن ترفعَ في السِّرِّ دعاءً خفيفًا.
ثم تمضي إلى طَريقِك راضيًا ساكنًا، لا تُريدُ منه جزاءً ولا عودة. لقد أدركتُ أنّ السلامَ مع ذاتي أسمى من ألفِ صداقةٍ باردة، وأنَّ الوحدةَ حين تُعطيكَ صفاءً خيرٌ من صحبةٍ تُغرِقُكَ في الضوضاءِ. وهكذا وجدتُ الحكمةَ في أن أقول أحبُّ لهم الخير، نعم.. ولكنِّي أحبُّ لنفسي السَّلام أكثر.



( البعيد عن العين قريب من القلب ) جملة حقيقية بحتة، غير أن القلب اذا اطمأن قرّب مايشبهه ظنًا منه انه الملاذ الآمن والمناسب بعد انتظار!
ولكن الاشكالية احيانا تكمن رفع التوقعات بالعلاقات بشكل عام، غير متوقعين حدوث أيّا من هذه المشاعر الغريبة، نعاملهم وكأنهم يقرأون مابداخلنا، نصدقهم، نعلق آمالنا فيهم، ولكنه درس قاسِ لمهارات جديدة وحياة أكثر سلامًا مع أنفسنا
الوصف مرا لامسني كيف مرا حقيقي