فسلامٌ على بُعدٍ بلا تفسير، ووداعٍ بلا قُبلات، فقد كبرتُ عن تبريرِ البديهيات
لم يَعُدِ الفقدُ في عُرفي اليومَ حادثاً يُربكُ سكونَ نبضي، بل استحالَ رفيقاً مألوفاً، وحالةً من الاستئناسِ بالغيابِ لا تشبهُ فزعَ البداياتِ في شيء؛ لقد تروّضتُ أخيراً على مشهدِ الغروب، وصرتُ أرقبُ رحيلَهم دون أن تهتزَّ في يدي بوصلةُ الثبات، ودون أن أحاولَ استجداءَ لحظةٍ واحدةٍ من زمنِهم الآفل. إنني اليومَ أُمارسُ فقدَ الأحياءِ بذاتِ الطقسِ الذي ألِفتهُ مع الموتى؛ ذاك البرودُ الرخاميُّ الذي يمنعكَ من الانحناءِ لتقبيلِ جبينِ الوداع، ليس قسوةً كما يظنون، بل هو أقصى درجاتِ الوعي بالذات، حين تدركُ أنَّ كلَّ تشبُّثٍ بميتٍ شعورياً هو في جوهره هدرٌ مُهينٌ لكرامةِ الوجود.
عجيبٌ شأنُهم؛ يسكنون فينا حتى الارتواء، فإذا ما آثرنا المضيَّ بسلام، تساءلوا بذهولٍ مُتكلَّف..
كيف هانَ الودُّ؟
وكيف انخلعتْ منه سنين العمر؟
والحقيقةُ أنهم لا يبتغونَ فهماً، بل ينقبونَ عن شماعةٍ يسقطون عليها عجزهم عن المواجهة، لكي يهدأَ وجدانُهم الذي سكنه الخبث بإلقاءِ التَّبِعةِ على عاتقي.
لم يدركوا أنني اتخذتُ قراري بأن أعبرَ ممراتِ حياتِهم ضيفاً خفيفاً، لا يغتصبُ مساحةً ليست له، ولا يسدُّ فراغاً نفسياً لا يخصه، بل يمضي دون أن يخدشَ حياءَ أحدهم بعتاب؛ ليقيني أنَّ مَن لم يمارس شرفَ الحضور، لن يدركَ يوماً نبلَ الغياب، وأنَّ العلاقات التي تقوم على الهشاشة النفسية تنتهي حتماً عند عتبة النضج.
لقد توقفتُ تماماً عن تبريرِ صمتي الذي يقرؤونه بروداً، وعن الاعتذارِ عن تلك الحساسيةِ التي ليست في جوهرِها إلا بصيرةً مُضاعفة؛ فالحساسية وعيٌ بما لا يُرى، وإدراكٌ لما لا يُقال، وهي السمة التي تجعلنا نرى الهاوية قبل أن نصل إليها.
كنتُ فيما مضى أُقامرُ بسلامي الداخليّ في سبيلِ بطولاتٍ ورقيةٍ داخلَ زنازينهم النفسية، أما الآن، فلا ألهثُ خلفَ وهمِ الانتماء، ولا أستجدي مكاناً في ذاكرةِ أحد، فقد اكتشفتُ أنَّ سجوننا النفسية تُبنى بأيدينا حين نمنحُ الآخرين حقَّ تعريفِنا.
لقد نضجتُ للحدِّ الذي جعلني ألمحُ الألاعيب النفسية خلفَ الأعينِ قبل أن تبوحَ بها الألسن، وأستشعرُ زيفَ الارتباط المرضي قبل أن يكتمل؛ لذا صرتُ أتركُهم ينطفئون في عُزلتِهم، ليس انتقاماً، بل لأنَّ تفرّدي النفسي لم يعدْ يتسعُ لضجيجِ الأقنعة.. هذه هي المرحلةُ الملكيةُ التي تُعمَّدُ بكيِّ الخيبات؛ أن تبلغَ من الاكتفاءِ مبلغاً يجعلكَ بخيرٍ لأنكَ قررتَ أن تكون، لا لأنَّ أحدهم منحكَ تأكيداً خارجياً لوجودك، فالمعنى الذي يُستمدُّ من الخارج يسقطُ عند أولِ عاصفة. أنا الآن في تصالحٍ تامٍ مع حقيقتي، لا أخجلُ من قلبي الذي يتأثر، لكنني أعتزُّ بعقلي الذي كسر أقفال السجون القديمة ولم يعدْ يُلدغُ من جُحرِ الوهمِ مرتين، بعدما أدركتُ أنَّ الرغبة في إرضاء الجميع هي أولُ مسمارٍ في نعشِ الذات.
لقد حررتني الحياةُ من عبوديةِ الاحتياج، وعالجتني من الامتلاء بالفراغ، حتى عثرتُ على نفسي التي أضعتُها طويلاً في دهاليزِ انتظارهم؛ فالفراغ لا يُملأُ بأجسادِ الآخرين، بل بالتصالح مع الذات.
سأظلُّ أمضي، فريداً كنيزكٍ يضيءُ عتمةَ مساره، لا يكسرني لومٌ ولا تحنيني رياحُ المقاصدِ الآسنة، ممتناً لكل خيبةٍ نزعت عني ثوباً ضيقاً من الأوهام.
فسلامٌ على بُعدٍ بلا تفسير، ووداعٍ بلا قُبلات، فقد كبرتُ عن تبريرِ البديهيات، وترفّعتُ عن مصافحةِ يدٍ امتدتْ لتكسرني ثم ادّعتْ أنها جاءت لتضمِّدني؛ فمن لم يعرفِ النبلَ وهو بجانبك، لن يعرفَ الشرفَ وهو يغادرُك.
واليوم، أشكرُ الله ثم الحياةَ لا لأنها أعطتني، بل لأنها عرّتني من كل زيف، حتى لم يتبقَّ معي إلا أنا، وهذا يكفي.
- زَكـرِيَّا بن عَـلِيّ



وقفت هنا طويلاً
"فقد اكتشفتُ أنَّ سجوننا النفسية تُبنى بأيدينا حين نمنحُ الآخرين حقَّ تعريفِنا "
يالله .. فعلاً .
وصفك هو كل شيء