وتعلّمت كذلك أن مطالبة الإنسان بماله ليست وقاحة، وهذه من المسائل التي أرى أن الناس يخلطون فيها بين حسن الخلق وإسقاط الحقوق. فإذا كان لك عندي مال، فمن حقك أن تطلبه، وليس من المفترض أن أشعر بالإهانة لأنك ذكّرتني بحقك. قد تكون ظروفك التي تعرفها سببًا في أن أقدّر تأخرك، وقد أكون أنا من يختار أن يمنحك وقتًا إضافيًا حتى ترتب وضعك، وهذا من باب التقدير والتفضل، لكن فضلي عليك لا يتحول إلى التزام بأن أنتظر إلى ما لا نهاية، ولا يصبح صبري حقًا مكتسبًا لك. ومن حقك كذلك أن تطلب مالك دون أن تعتذر عن طلبك وكأنك ارتكبت ذنبًا. فالإنسان الذي أقرضك ماله لم يطلب منك معروفًا حين طلبه، وإنما طلب شيئًا هو ملكه في الأصل.
والذي يجعل بعض الناس يغضبون من هذه المطالبة هو عقلية الضحية؛ حين يبدأ الإنسان في تفسير كل موقف على أنه موجّه ضده، فيرى مطالبة الآخر بحقه هجومًا، وعتابه إهانة، ورفضه لطلبٍ ما قسوة، وحدوده الشخصية استعلاءً. فينشغل بإثبات أنه مظلوم أكثر من انشغاله بالنظر إلى الحقيقة كما هي. وقد يقول بأنه يعرف ظروفي.
نعم، قد يعرفها، وقد يتفهمها، وقد يتعاطف معها أيضًا، لكن معرفته بظروفك لا تُسقط حقه، وتعاطفه معك لا يجعل حقه أقل قيمة. والنضج هنا أن تستطيع الفصل بين الأمرين؛ أن تكون رحيمًا بظروفك، من غير أن تجعلها ذريعةً للتقصير، وأن تقول : أنا فعلًا أمرّ بظرف صعب، وفي الوقت نفسه أعلم أن هذا مالك، وسأعيده إليك متى استطعت، وسأكون واضحًا معك في ذلك. لا تحتاج إلى أن تجعل نفسك مظلومًا حتى تشرح عذرك، ولا تحتاج إلى أن تجعل الآخر قاسيًا حتى تبرر تقصيرك.
بل إن من أرقى صور حفظ الود أن يبادر الإنسان قبل أن يُطالب؛ فإذا علم أنه سيتأخر، أخبر، وإذا تغيّرت ظروفه، بادر بالبيان، وإذا أخطأ، اعتذر، وإذا عجز عن الوفاء بوعده، لم يختبئ خلف الصمت. لأن أسوأ ما يمكن أن تفعله بحق إنسان ينتظر منك حقًا ليس أن تتأخر، وإنما أن تجعله يلاحقك حتى يعرف أين ذهب حقه. قد يتفهم تأخرك، لكنه لن يتفهم تجاهلك، وقد يسامح عجزك، لكنه لن ينسى أن تجعله يشعر وكأنه يطلب منك شيئًا لا يستحقه.
وأظن أن هذه الأمور كلها جعلتني أراجع علاقتي بالناس بطريقة مختلفة؛ فلم أعد أرى النضج في أن أكون الشخص الذي يفهم الجميع دائمًا، ولا في أن أكون الشخص الذي يتنازل دائمًا، ولا في أن أكون حاضرًا في كل مشكلة حتى يُقال إنني صاحب موقف. صار النضج عندي شيئًا أبسط وأصعب في آنٍ واحد : أن أعرف أين ينتهي دوري ويبدأ دور غيري. أن أساعد دون أن أحمل ما ليس لي، وأن أنصح دون أن أقرر عن الآخرين، وأن أعطي دون أن أسمح لأحد باستغلال عطائي، وأن أطلب حقي دون أن أشعر بالذنب، وأن أعترف بخطئي دون أن أبحث عن شخص أعلّق عليه السبب.
وصرت أؤمن أن العلاقات لا تستقيم حين يكون طرف واحد دائمًا متفهمًا، وطرف آخر دائمًا معذورًا. لا بد أن يتحمل كل إنسان نصيبًا من مسؤولية ما يحدث بينه وبين الآخرين. وليس مطلوبًا منك أن تفهم الناس إلى الدرجة التي تنسى فيها نفسك، ولا أن تسامح إلى الدرجة التي يصبح فيها تجاوزهم عادة، ولا أن تصمت إلى الدرجة التي يفهم فيها الآخرون صمتك على أنه موافقة. وفي الوقت نفسه، ليس مطلوبًا منك أن تعيش في حالة دفاع مستمرة، ولا أن تفسر كل كلمة على أنها استفزاز، ولا أن تعتبر كل اختلاف تهديدًا لشخصيتك.
فالحياة بين الناس تحتاج إلى عقل يعرف متى يكون ليّنًا ومتى يكون حازمًا، ومتى يترك الأمر يمضي.
ومع كل ذلك، بدأت أحب فكرة أن لكل إنسان طريقته، وأنني لست مضطرًا إلى إصلاح الجميع حتى أكون إنسانًا صالحًا.
هناك أشخاص ستفهمهم، وأشخاص لن تفهمهم، وأشخاص ستجد معهم اللغة المناسبة، وأشخاص ستكتشف أن أفضل لغة معهم هي المسافة.
وهناك علاقات تستطيع أن تكون فيها على طبيعتك، وأخرى تحتاج منك قدرًا من الذكاء في التعامل، وليس عيبًا أن تعرف الفرق.
المهم ألا تفقد نفسك وأنت تحاول أن تكون مناسبًا لكل أحد.
وأعتقد أن أكثر ما أبحث عنه الآن هو أن أكون إنسانًا يعرف قيمة الهدوء دون أن يخلطه بالضعف، ويعرف قيمة التنازل دون أن يخلطه بالهزيمة، ويعرف قيمة الموافقة دون أن يخلطها بالتبعية، ويعرف قيمة الرفض دون أن يحوله إلى خصومة، ويعرف قيمة حقه دون أن يتحول إلى إنسان لا يرى إلا حقوقه. أن أكون قادرًا على التعامل مع الناس كما هم، لا كما أتمنى أن يكونوا، وأن أختار أسلوبي معهم بحسب ما يقتضيه الموقف، لا بحسب مزاجي في تلك اللحظة.
فربما لا تكون الحكمة في أن تعرف كيف تجعل كل شيء يسير كما تريد، وإنما في أن تعرف كيف تتعامل مع الأشياء حين لا تسير كما تريد. أن ترى الإنسان أمامك كما هو، لا كما تتمنى أن يكون، وأن تعرف متى تقترب ومتى تبتعد، ومتى تعطي ومتى تمنع، ومتى تتكلم ومتى تترك الصمت يؤدي المهمة عنك. وفي النهاية، ليس مطلوبًا مني أن أكون وسيطًا بين الجميع، ولا أن أشرح نفسي لكل أحد، ولا أن أثبت أنني على حق في كل موقف، ولا أن أحمل فوق ظهري أخطاء الآخرين ومشكلاتهم وعلاقاتهم. يكفيني أن أعرف نفسي جيدًا، وأن أحفظ حدودي، وأن أعطي كل إنسان حقه، وأن أترك له مسؤولية ما يخصه، ثم أمضي.. هادئًا، واضحًا، ومتصالحًا مع حقيقة أن بعض الأمور لا تحتاج مني إلا أن أتركها لأصحابها.



أَحْسنت كفيت ووفيت وجزيت خيًرا على الكلام النافع،من أجمل ما قرأت.