زَرْعِ بذورِ المسؤوليةِ في طَالِب
السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه،
ثَمَّةَ مَوقفٌ قد يَبدو في ظاهرِهِ عابراً، يَمُرُّ بهِ المرءُ مرورَ الكِرام، بَيْدَ أنَّ غريزةَ البَوْحِ الكامنةَ في نَفْسي تُحفزُني لأنْ أَسكبَ لَكُم مَشهداً لعلَّ فيهِ شَيئاً من الإلهام.
بدأتِ الحكايةُ بالأمس، مَع إطلالةِ أولِ محاضرةٍ بَعْدَ انقضاءِ الإجازة.
دَلفَ الدكتورُ إلينا، وبدلاً من أنْ يَنكبَّ على المنهجِ الجاف، آثرَ أنْ يُبحرَ بنا في مَواضيعَ شتّى استهوتْ لُبّي؛ إذ تَحدثَ عَنْ لُغةِ الجَسدِ وفراسةِ قراءةِ البشر، وعرَّجَ ببيانٍ عذبٍ على مَفهومِ المسؤوليةِ وطريقةِ تفكيرِ المجتمعِ المعاصر.. كانَ جُلُّ حَديثِهِ يَتَمحورُ حولَ بَثِّ العزيمةِ والتحفيز.
وفي ختامِ حديثهِ، بَعْدَ نَحْوِ خَمْسٍ وثلاثينَ دقيقةً من الاستطرادِ المَعرفي، كَفَّ عَنِ الكلامِ بَغتةً، ووقفَ وَقفةً حازمةً مُتسائلاً : مَنْ مِنكم يَمتلكُ الجَسارةَ ليكونَ مديراً لِهذهِ الشُّعبة؟
بينما كانتْ عيناهُ تَرتقبانِ الوجوهَ، ويداهُ مُرتكزتانِ على الطاولةِ بانتظارِ إشارةٍ أو يَدٍ تَرْتفعُ لتصدحَ بكلمةِ "أنا".. لَمْ يَتجرأْ أحدٌ على المبادرة، ولا حتى أَنَا!
طأطأَ رَأسَهُ والأسى يَعلو مُحياهُ ثمَّ تَمتمَ بصوتٍ خفيض : لَمْ تكونوا على قَدْرِ الثقةِ التي نَسجتُها في خَيالي، لَعَلّي رَفعتُ سَقْفَ التوقعاتِ أكثرَ مِمَّا يَنْبغي!
استرسلَ بَعْدَها بلهجةٍ غلبتْ عليها السلبيةُ، عاتباً علينا لِعَجزنا عَن استشعارِ المسؤولية، ورَمَانا بضعفِ الثقةِ بالذات، مُعلناً إلغاءَ فكرةِ المجموعةِ تماماً. تغلغلَ في أَعماقي حينها شعورٌ مُضطرب، بَيْدَ أَنّي كُنتُ أُحاورُ نَفْسي بِيَقينٍ أني أَمتلكُ الكفاءة، وتُساورني رغبةٌ عارمةٌ في تَجرُّعِ طَعْمِ القيادة. هَمَمْتُ أَنْ أرفعَ صَوْتي، لٰكنَّ الحِكمةَ لَجمتني؛ إذ لَمْ يَكُنِ الوقتُ سَانِحاً، وكانَ الدكتورُ مَشحوناً بطاقةٍ قد تَجعلُهُ يُسرفُ في إحراجي قائلاً : لِمَ لَمْ تَنْطقْ قَبْلَ قليل؟
أَنَا بطبيعتي لا أَمنحُ الثقةَ سَريعاً، ولا أُروّضُ جَامِحَها بسهولة.
ظلَّ الموقفُ يؤرقني بَعْدَ أَنْ خَابَ ظَنُّه، وكنتُ أَرومُ فِعلَ شيءٍ يُصححُ الانطباعَ الذي أَخذهُ عَنّا. لا أَدري هل الاهتمامُ الزائدُ أحياناً يَنُمُّ عَن قِلّةِ ثقةٍ أَم لا، لٰكنَّ الأمرَ يَبقى مَرهوناً بحالِ الموقف.
المُهم، أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ انصرفَ الجميعُ بَقيتُ مَكاني، فقالَ لي : تَفَضَّل، يمكنكَ الذهاب.
اقتربتُ مِنهُ في تِلكَ القاعةِ الفسيحة، وقلتُ لهُ بأسلوبٍ هادئٍ ورصين : يا دكتور، لَيْسَ الأمرُ انعداماً للثقةِ كما سارعتَ في حُكْمِك، فَلِكلِّ طالبٍ هنا ظروفُهُ التي قد تَمْنَعُهُ من الالتزام. أَنَا مثلاً أَجدُ في نَفْسي القدرة، ولٰكنَّ لديَّ التزاماتٍ قد لا تَجعلني أُوفِّي المَوضوعَ حقَّهُ من الاهتمام، لِذا آثرتُ الصمتَ احتراماً لَكَ وللطلاب.
فانبرى مُقاطِعاً بصوتٍ مُرتفع : إذَنْ، مَا فائدةُ المحاضرةِ التي أَلقيتُها؟! لِمَ لَمْ يَرْفعْ أَحدٌ يَدَه؟! لَقَدِ اسْتنزفتُ طَاقتي لأُوصِلَ الفكرة، فأينَ مَفهومُ المسؤوليةِ الذي تَحدثتُ عَنْه؟
حينها، غَاضتِ الكلماتُ من لِساني، ودَخلَ طالبٌ آخرُ قاطعاً هدوءَ المَكان، فانصرفتُ وأنا أَشعرُ أَنَّ في جُعبةِ الدكتورِ حَديثاً آخَرَ لَمْ يَنتهِ بَعْد.
وفي محاضرةِ اليَوْم، بَعْدَ أَنْ فَرغَ من المنهج، أَعادَ طَرحَ سُؤالِ الأمسِ وعيناهُ تُلاحقاني : مَنْ يَكونُ مديراً لِشُعْبَتِكم؟
رَفعتُ يَدي بِيَقين، ورَفَعَ مَعي أَربعةٌ آخرون. حينَ رَأى المبادرة، أَطرقَ يُفكر، ثمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ونَظرَ إليَّ بتركيزٍ شديدٍ قائلاً : مَا اسْمُك؟
أجبتهُ باسمي، وفي كلِّ مَرَّةٍ كانَ يطلبُ مِنّي الإعادة، رَغمَ جَهريةِ صَوْتي ووضوحِه؛ وأدركتُ حينها أنَّه اختبارٌ مَبْدئي لِيَرى مَدى ثباتي، وهل سَتَهتزُّ نَبْرَتي مَع التكرارِ أَم لا.
عادَ إلى حاسوبِهِ وسادَ صَمْتٌ طَويل، حتى اهتزَّ هاتفي بَرِسالةِ إضافتي مديراً للمجموعة. وقفَ مَكانَهُ وقالَ أَمامَ المَلأِ إنَّني أَستطيعُ فِعلاً قيادةَ هذهِ الشُّعبة، فأجبتهُ : بإذنِ اللهِ سأكونُ عِنْدَ حُسْنِ ظنِّكَ وظَنِّ الزملاء.
حينَ هَمَّ الجميعُ بالرَّحيل، ناداني لِيُسْدِيَ لي نَصائِحَه؛ وبما أنَّه يَميلُ للتحفيزِ الصادقِ المشوبِ بشيءٍ من المبالغةِ البسيطة، كُنتُ أُبدي لَهُ مَدى استيعابي لِعِظَمِ الأمانة، فقالَ لي : الجميعُ الآنَ يَعْتمدونَ عَلَيْك، وأنا أَيْضاً أَعْتَمِدُ عَلَيْك، ثمَّ انصرفت.
الفكرةُ من المَوقفِ كُلِّه هي رغبةُ المُعلمِ في زَرْعِ بذورِ المسؤوليةِ في طَالِب، وكُنتُ أَنَا المَقصدُ لِذلك. قَد يَتساءلُ البعض : أينَ تكمنُ الصُّعوبةُ في ذَلِك؟، فأقولُ لَكم : إنَّ الشُّعبةَ الواحدةَ تَضمُّ اثنَيْنِ وتِسعينَ طَالباً، وهي مَسؤوليةٌ جَسيمةٌ لِطالب؛ فكلُّ خَبَرٍ أو توجيهٍ أو اعتذارٍ من الدكتورِ يَمُرُّ عَبْرَ بَوَّابتي.
في الختام، آثرتُ أَنْ أُشاطِرَكم هذا الموقف؛ لأنَّ الشعورَ بالمسؤوليةِ يَبْعثُ في النَّفسِ لَذَّةً وحافزاً لِتحقيقِ إنجازاتٍ أَكبر.
وشُكراً لَكم.



تبارك الرحمان بلاغتك شئ يدرس ياليت تقول لنا كيف وصلت لمثل هذا المستوى من الفصاحة و البلاغة
كتاباتك جميلة جدًا وآسرة ما شاء الله، ودي أوصل لمستوى كتابتك بإذن الله