الصفات التي تبدو صغيرةً في ظاهرها
لكنها تكشف حجم النضج المختبئ في صاحبها
فليس الرُقيّ أن تعرف عن الجميع كل شيء، بل أن تعرف أين يجب أن يتوقّف فضولك. فالإنسان لا يُقاس بكثرة ما يجمعه من أخبار الناس، بل بكثرة ما يملكه من سيطرةٍ على نفسه، لأنّ النفس بطبعها تحبّ التلصّص على المجهول وتنجذب إلى ما خفي عنها، لكنّ الحكمة تبدأ حين يتعلّم المرء أنّه ليس كل بابٍ أُغلق أمامه خُلق ليُفتح.
وكثيرًا ما نظنّ أنّ الفضول دليل ذكاء، مع أنّه في أحيانٍ كثيرة ليس إلا عجزًا عن الانشغال بما هو أهم؛ فالعقول الكبيرة تنشغل بالأفكار، والعقول المنشغلة بنفسها تنشغل بالإصلاح، أما العقول الفارغة فتبحث دائمًا عن حياةٍ أخرى تعيش فيها غير حياتها. ولذلك فإنّ بعض الناس يعرفون عن الآخرين أكثر مما يعرفون عن أنفسهم؛ يحفظون التفاصيل الصغيرة، ويتابعون التغيّرات الدقيقة، ويلاحظون ما لا يلاحظه غيرهم، لكنهم يعجزون في المقابل عن ملاحظة العيوب التي تكبر داخلهم كل يوم.
ومن غرائب النفس البشرية أنّها أحيانًا تهرب من مواجهة ذاتها بالانشغال بغيرها؛ فبدلًا من أن تسأل.. ماذا ينقصني؟
تسأل.. ماذا حدث لهم؟
وبدلًا من أن تفتّش في أعماقها، تفتّش في أسرار الآخرين،
وكأنّ معرفة الناس أسهل من معرفة النفس.
والحقيقة أنّ الإنسان لا يحتاج إلى أن يعرف كل شيء ليعيش مطمئنًا، بل إنّ جزءًا كبيرًا من الطمأنينة يأتي من تجاهل أشياء كثيرة، فكم من أمرٍ لم تعرفه فعشت مرتاحًا، وكم من تفصيلٍ عرفته فتمنّيت لو أنّك بقيت جاهلًا به، فالنضج ليس أن تتسع دائرة معرفتك فقط، بل أن تتسع دائرة ما تستطيع تجاهله؛ لأنّ الحياة أثقل من أن تحمل فيها كل خبر، وأوسع من أن تطارد فيها كل تفصيل.
إنّ الناس لا يتعبون من قلة المعلومات بقدر ما يتعبون من كثرتها، فالعقل الذي يريد أن يعرف كل شيء يعيش مطاردًا بكل شيء، أما العقل الحكيم فيختار معاركه واهتماماته، ويعرف أنّ بعض الأمور لا تستحق أن يمنحها دقيقةً واحدة من عمره. ولعلّ من أجمل ما يكتشفه الإنسان مع الزمن أنّ أكثر الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات، بل تحتاج إلى تجاوز؛ لأنّ بعض الحقائق لا تغيّر شيئًا، وبعض الأسرار لا تضيف شيئًا، وبعض التفاصيل لو كُشفت لما صنعت فرقًا إلا في زيادة الضجيج.
ولهذا ترى الإنسان الراقي يمرّ على أشياء كثيرة مرور العابر الكريم؛ يسمع ولا يتتبّع، ويرى ولا يفتّش، ويلاحظ ولا يتدخّل، لا لأنّه غافل، بل لأنّه أدرك أنّ كل ما يراه ليس شأنًا له.
ففي الحياة مساحات لم تُخلق لنا، وقصص لم نُدعَ إلى قراءتها، وأبواب لم نُمنح مفاتيحها، وكل محاولةٍ لاقتحامها لا تزيد الإنسان علمًا بقدر ما تنقصه أدبًا. والأمر الذي لا ينتبه له كثيرون أنّ احترام الخصوصية لا يعني احترام الآخرين فقط، بل يعني احترام النفس أيضًا؛ لأنّ النفس الراقية تأبى أن تتغذّى على ما ليس لها، سواءٌ أكان مالًا أو حقًّا أو سرًّا. فالإنسان الذي يعتاد اقتحام خصوصيات الناس يظنّ أنّه يجمع المعلومات، بينما هو في الحقيقة يدرّب نفسه على تجاوز الحدود، وما يبدأ بسؤالٍ لا يعنيه، قد ينتهي بعادةٍ لا يستطيع التخلّص منها.
ولهذا كان من علامات العقل المستقرّ أنّه لا يشعر بالحاجة إلى معرفة كل شيء، فهو لا يختنق من الغموض، ولا يطارده الفضول، ولا يقلقه ما يجهله، لأنّه أدرك أنّ الحياة ستبقى ناقصة التفاصيل مهما عرف، وأنّ الكمال المعرفي وهمٌ لا يُدرك. ومن الحكمة أن يعرف الإنسان أنّ بعض الأبواب أُغلقت رحمةً به لا حرمانًا له، وأنّ بعض الأسرار التي لم يصل إليها كانت نعمةً لا خسارة، وأنّ بعض الحقائق التي لم يعرفها أنقذته من همومٍ لم يكن بحاجة إليها. فكم من إنسانٍ أفسدت عليه معلومةٌ واحدة صفاءه، وكم من شخصٍ عاش سنواتٍ من القلق بسبب حقيقةٍ لم يكن مضطرًا إلى معرفتها أصلًا، وكم من راحةٍ ضاعت لأنّ الفضول انتصر على الحكمة وكم وكم وكم..!
فالجهل ليس دائمًا نقصًا كما يتصوّره الناس، بل يكون أحيانًا نعمة، وأحيانًا سترًا، وأحيانًا أخرى بابًا من أبواب السلام الداخلي؛ وليس كل ما تجهله يستحق أن تبحث عنه، كما أنه ليس كل ما تعرفه يستحق أن تحتفظ به. ومن أجمل مظاهر الرُقيّ أن يستطيع الإنسان أن يقول لنفسه بأن هذا لا يعنيني، فهي جملةٌ بسيطة لكنها تحتاج إلى قدرٍ كبير من الوعي، لأنّ النفس بطبعها تحبّ التدخّل والاطّلاع، وتحبّ أن تكون في قلب كل شيء. لكنّ الإنسان الحكيم يفهم أنّ العالم لن يتوقّف إذا لم يعرف التفاصيل، وأنّ حياته لن تصبح أفضل لمجرّد أنّه اكتشف سرًّا جديدًا، وأنّ كثيرًا من الأمور تمضي كما هي، سواء عرفها أم جهلها.
ومع مرور السنين يدرك المرء حقيقةً عجيبة؛ وهي أنّ أكثر الناس راحةً ليسوا أكثرهم معرفة، بل أكثرهم قدرةً على التغافل؛ أولئك الذين يعرفون متى ينظرون ومتى يصرفون أبصارهم، ومتى يسألون ومتى يصمتون، ومتى يقتربون ومتى يكتفون بالوقوف بعيدًا. فالراحة ليست في أن تمسك بكل الخيوط، بل في أن تدرك أنّ بعضها لا يخصّك أصلًا، والهدوء ليس في أن تفهم الجميع، بل في أن تتقبّل أنّك لن تفهم الجميع، والنضج ليس في أن تدخل كل قصة، بل في أن تعرف أي القصص لا ينبغي أن تكون جزءًا منها، والحكمة ليست أن تملك جواب كل سؤال، بل أن تعرف أيّ الأسئلة لا تستحق أن تُطرح.
ولهذا فإنّ الإنسان كلما ارتفع وعيه خفّ فضوله، وكلما نضج عقله قلّ تدخّله، وكلما امتلأت نفسه بمعناها تضاءلت حاجتها إلى التعلّق بحياة الآخرين، حتى يصل إلى مرحلةٍ يرى فيها أنّ أعظم ما يمكن أن يفعله لنفسه ليس أن يعرف المزيد عن الناس، بل أن يفهم المزيد عن ذاته؛ فهناك معركةٌ داخل كل إنسان تستحق الاهتمام أكثر من ألف قصةٍ تدور خارجه. وحين يبلغ هذه القناعة، يصبح أكثر هدوءًا، وأكثر اتزانًا، وأكثر راحةً مع المجهول، فلا يستفزّه ما خفي، ولا يطارده ما غاب، ولا يرهقه ما لا يعرفه. وعندها فقط يفهم معنى الرُقيّ الحقيقي بأن تكون قادرًا على ترك ما لا يعنيك، لا لأنّك لا تستطيع الوصول إليه، بل لأنّك أكبر من أن تنشغل به. وعذرًا على الإطالة.



أحسنتِ في اختيار مثل هذا الموضوع لأنه يمكن أن يكون بداية للمرء للتخفف من التفاصيل وينشغل بالتنوير بذاته ومعرفته بنفسه، بارك الله فيك .🩷
مقالك جاء في وقته لدرجة ان ودي احتفظ فيه وقراءة دايما تسلم أناملك 🌷الله يسعدك يارب