لا تبحث عن القبول في عيون الآخرين
لم أكن يومًا من أولئك الذين يتفنّنون في تدوين لحظات الفرح، ولم يسبق لقلبي أن تدفّق بالحبر حين ارتوى بالبهجة، كنت أكتب فقط حين تفيض روحي عن احتمالها، حين يتكدّس الصمت في حنجرتي كأنّه شوكة لا تُبتلع، كنت أكتب لأشفى.. لا لأتفاخر، أكتب لأُنقذ جزءًا يتآكل من داخلي، لا لأحصد الإعجاب، أكتب كما يصرخ الغريق تحت سطح الماء، صرخة لا يسمعها أحد، لكنها تظل قائمة، شاهدة، حيّة. ولم يكن الأمر رومانسية حالمة كما يظن البعض، بل كان صراعًا نفسيًّا مكثّفًا، كانت الكتابة إحدى الطرق التي أعالج بها نفسي من نفسي، وسيلة للغوص في أوساط داخلية حيث ترقد العقد النفسية بلا اسم ولا إذن للدخول، كنت أكتشف كل مرة أنني أكتب لأن شيئًا ما في داخلي لا يحتمل الكتمان، لأنني كلما حاولت أن أبدو بخير.. اختنقت. ثم، فجأة، اكتشفت أنني لم أعد بحاجة لأن أعيش الحدث كي أكتبه، بدأت أستطيع استحضار الشّعور من رماده، كأنني بدأت أتحرّر من عبودية اللحظة، وأمتلك ناصية التحليل، التحليل الذي لا يكتفي بالوصف، بل ينبش السبب، يحفر في الطفولة، يربط الموقف بالحفر القديمة التي لم تُردم، حينها فقط فهمت أنني لا أكتب ما أعيشه، بل أكتب ما ظلّ يعيش داخلي دون أن أعلم. لم أكن بحاجة إلى صدمة كبرى، بل إلى لحظة صدق، لحظة أرى فيها ذاتي على حقيقتها، دون أقنعة، دون بطولات ورقيّة، دون تلك الهالة التي اعتدنا وضعها على مشاعرنا كي لا تبدو رثّة. كنت أظن أن الرجولة قسوة، أن الصمت فخامة، أن الجفاء هيبة، حتى وقفت يومًا أمام مرآتي النفسية وتساءلت.. لماذا أخجل من كوني حساسًا؟ لماذا أرتجف من اعتراف بسيط؟ أنا إنسان.. وأحمل قلبًا، فلماذا أتصرف وكأنني آلة؟ لحظتها فقط، أدركت أنني –نعم– حساس، وواعٍ، وأقرأ النوايا قبل أن تُقال، وأتأثر من كلمة، وأتغيّر من نظرة، وأتوقّف أمام أدقّ التفاصيل التي يعبرها الآخرون كأنها لا شيء. وأدهشني أنني كنت أظنّ هذا ضعفًا، كنتُ أقاتل داخليًا لأنني أملك شعورًا أكثر من المعدل المتعارف عليه، والحقيقة؟ أن الحساسية وعيٌ مضاعف، وأن الذين يشعرون كثيرًا، يرون ما لا يُقال، ويفهمون ما لم يُشرح، ولذلك يتعبون، ولذلك يصمتون. وأنا اليوم لا أعتذر عن هذا الجزء فيّ، بل أفتخر به، لا أُخفيه، بل أُبرزه، لا أقنّعه، بل أُسمّيه باسمه. لم أعد ألهث خلف محفّزات خارجية، ولا أحتاج من الحياة تصفيقًا كي أبدأ، صرت أعرف متى أتحرك ومتى أقف، أعرف مَن أقتربُ منه ومَن أتركه ينطفئ في مساحته الخاصة، صرت لا أبحث عن الانتماء، ولا أستجدي الاحتواء، صرت أكتفي، واكتفائي ليس برودًا، بل نتيجة نضجٍ مؤلمٍ عشت كلّ درجة من سُلّمِه. سامحت من لم يعتذر، وعبّرت دون أن أُشرح، وصافحت دون أن أُفسّر، لأني في تلك المرحلة التي لا تُقاس بالأعوام، بل بالألم الذي تجاوزته، بالأفكار التي نزعتها من جذورها، بالسجون النفسية التي كسرت أقفالها دون أن أحدث ضجيجًا. هذه هي المرحلة الملكية الحقيقية، ليست تلك التي تلوكها كتب التنمية الذاتية كمصطلح لامع، بل التي تصلها حين تكون قادرًا على العيش دون مرآة، دون تصفيق، دون حاجة دائمة إلى دليل خارجي يؤكد أنك بخير. أنا بخير لأنني قرّرت أن أكون، لا لأن أحدهم قال ذلك، ولأول مرة.. أشكر الحياة، لا لأنها أعطتني، بل لأنها عرّتني من كل وهم، حتى عرفت أخيرًا من أكون.
لم تكن أزمتي يومًا مع الشعور ذاته، بل مع ما فُرض عليّ أن أشعر به، مع التصنيفات التي وُلدنا داخلها كأنها أقفاص، مع تلك النظرة القاصرة التي يُلقيها عليك المجتمع حين تُخطئ المرة الأولى، أو حين تُعبّر عن وجعٍ لا يملك اسمه في القاموس العام، مع النظرات التي تترصّدك إذا قلت “تعبت”، كأنك خنت شيئًا مقدّسًا، كأن القوة يجب أن تكون رداءك الأبدي، وإن ثقل. تعلّمنا –دون أن يُقال صراحة– أن الصمت منجاة، وأن البوح ضعف، وأن الحديث عن الألم فضيحة، حتى صرنا نكذب على أنفسنا ونقول “أنا بخير” ونحن ننهار بصوتٍ خافت لا يسمعه أحد، تواطأنا مع المجتمع ضد أنفسنا، وصدّقنا أنّنا يجب أن نكون دائمًا في وضعية الاستعداد، لا مجال للخلل، لا وقت للكسور، لا مساحة لأن نكون بشرًا. كنت أظنّ أن عليّ أن أبدو دائمًا متماسكًا، أن لا أظهر حيرتي، أن لا أفكر بصوتٍ عالٍ، أن لا أطلب تفسيرًا، أن لا أتلعثم أمام من أحب، كنت أرتّب انفعالاتي كأنني في حضرة محكمة، وكل زلّة شعورية تُحسب ضدي، لا معي، حتى اكتشفت –بعد صراع طويل– أن أغلب ما عشته لم يكن صراعًا مع الواقع، بل مع الصورة التي أرغمتني أن أكونها. المجتمع لا يُريدك أن تكون صادقًا، بل أن تكون مناسبًا، لا يُريدك أن تشرح، بل أن تُطيع، لا يُريد أن يرى حقيقتك، بل نسخته المثالية منك، التي رسمها دون أن يسألك عن ملامحك. نشأنا على أن نحمل على ظهورنا توقعات لا تخصّنا، على أن نكون كما يريدون لا كما نحن، فصرنا نمثل، صرنا نبتسم حين نختنق، ونصمت حين نرغب بالصراخ، ونتحدث عن الأمل ونحن نبحث عن ملجأ من اليأس، ولم يسألنا أحد.. هل هذا أنت؟ هل يناسبك هذا الدور؟ هل ترغب أصلًا أن تكون في هذا المشهد؟ المجتمع بارعٌ في نسج الأقنعة، يحترف تكميم الأرواح، ويضعك في قالب لا يُقاس على مقاسك ثم يلومك إن ضاقت أنفاسك. وأخطر ما في الأمر أن البعض ينسى أنه تَقمّص، ينسى وجهه الحقيقي خلف الأقنعة الطويلة، ويُقنع نفسه أنّه بخير، وهو لا يشعر إلا حين يختلي بنفسه، حين ينهار دون شهود، حين يخلع كل شيء ويواجه ذاته كما هي، دون تنميق ولا تبرير. وهناك، فقط هناك، تبدأ الرحلة الحقيقية نحو التحرّر. التحرّر من دور البطولة في مسرحية لم تكتب نصّها، التحرّر من الأصوات التي تهمس لك أنّك لا تكفي، من القوانين الاجتماعية التي تُصنّف الرجولة بالصمت، والأنوثة بالسكوت، والنُبل بالموت البطيء. عليك أن تكون كما أنت، لا كما يُراد لك أن تكون. عليك أن تُخالف السائد إذا كان يُخنقك، أن تختار صمتك لا لأنك عاجز، بل لأنك قررت ألا تشرح أكثر. لا تبحث عن القبول في عيون الآخرين، بل ابحث عن نفسك في مرآة لا تُخدع. واعلم أنّ جزءًا كبيرًا من سعادتك مرهون بمدى جرأتك في قول : (لا)
لا لما لا يُشبهك.
لا لما لا يؤمن بك.
لا لما يريد أن يُعدّلك لتصبح صالحًا للاستهلاك الجماعي.
وحتى أولئك الذين يُطلقون عليك صفاتٍ بائسة حين لا تُسايرهم، لا يفعلون ذلك إلا لأنك كسرت الاتفاق الضمني بينكم بأن تُمثّل. وحين تتوقّف عن التمثيل، تُصبح خطرًا. نعم، الحقيقة مزعجة، ولكنها تحرّر، والحياة قصيرة حدّ السخرية لنقضيها أسرى تصنيفات قديمة، وقوالب مهترئة، ووصايا لم نكتبها. هذا الإدراك ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة وجودية، لأنك إن لم تفهم نفسك أولًا، ستقضي عمرك تفهم الآخرين وتنسى أن تعيش. اختر ذاتك، وإن كلفك ذلك أن تُعيد تعريفك من جديد، وإن اضطررت إلى الخروج من مجتمعاتك الصغيرة لتُعيد بناء عالم يناسبك، لأن السجن النفسي لا يُرى، لكنه يُخنق، لأن أكثر الذين يضحكون على الملأ، يبكون في صمت، وأكثر الذين يثرثرون أمامك.. لم يقولوا لأنفسهم كلمة واحدة بصدق. لا تكن أحدهم. لا تكن أحدهم.



أتفق معك في هذه النقاط:
١- اللهث خلف المحفزات الخارجية وطلب القبول من الآخرين نعم، هذا يدل على عدم الثقة بالنفس، ودلالة على ازدراء الذات.
٢- فعلاً، ليست الأغلاط الفادحة ما يعاني منه أغلب مجتمعنا، بل المفاهيم الخاطئة؛ مثل أن الرجولة تعني القسوة، وأن الجفاء هيبة. أمّا الصمت فله هيبته، لكن ذلك لا يدوم، إذ بمجرد أن تبوح بالكلام يُحدد من أنت، وهل تستحق المهابة أم لا.
تعقيباً على بعض النقاط التي لا أتفق معها:
١- لا أجد المنفعة في إظهار ضعفي أمام الناس. ضعفك وانكسارك أظهره لرب العالمين فقط. نعم، يجب أن تكون قويّاً متماسكاً، لأن المجتمع إن رآك ضعيفاً دهسك، بل وأسوأ من ذلك: قد يعرف نقطة ضعفك ويستغلها ضدك.
٢- أما بخصوص معايير المجتمع، فالتكيف معها ومعرفة ما يتطلبه الموقف من رد فعل هو من الذكاء العاطفي الذي يجب أن تكون مطلعاً عليه،
يعني تقرأ الموقف وتعرف وش الرد الأنسب،بس بدون ماتفرّط بمبادئك وهويتك.
٣- وأخيراً، نحن بحاجة إلى التفكير الناقد، وألا نتفق مع كل شيء. أرى أن أغلب المجتمع يميل للاتفاق مع ما يتفق معه الأغلبية حتى لو كان خاطئاً، وهذا من الجهل ويدل على ضعف الوعي. يتطلب الأمر أن نحث على النقد — النقد البنّاء طبعاً لا الهدّام — وأن نتجنب أخذ النقد بشكل شخصي، بل على العكس، لنسعى إلى الوصول إلى الفائدة.
ما شاء الله، زادكَ الله علمًا وفهمًا وأنارَ بصيرتك. لم يسبق لي أن قرأتُ مقالةً تصفُ ما أشعرُ فيهِ وصفًا مُلمًّا كما فعلت هذه.