الحياة هادئة جدًا عندما نتوقف عن مقارنة بدايتنا بنهايات الآخرين
لا أعلمُ يقيناً في أيِّ منعطفٍ من عمرنا تبدأُ تلك الغواية؛ غوايةُ أن نكونَ غيرنا، وأن نقتفيَ أثراً لم تطأهُ أحلامنا أصلاً. لكنني أعرفُ اليوم، وبعد أن غبرتُ وجهي بترابِ المسافات، أنَّ الهدرَ الأكبرَ في حياةِ الإنسان ليس في ضياعِ ماله أو نفوذه، بل في ضياعِ زمنه الخاص وهو يراقبُ عقاربَ ساعاتِ الآخرين.
لقد قضيتُ شطراً طويلاً من رحلتي، كأنني تلميذٌ أبله، يقفُ في مؤخرةِ الفصلِ الدراسيِّ للحياة، يراقبُ المتفوقين وهم ينالون الجوائز، ويظنُّ أنَّ صمتَه وفردانيته وبدايته المتواضعة ليست سوى وصمةٍ ينبغي غسلها بماءِ التقليد.
كنتُ أنظرُ إلى ذلك الذي اعتلى المنصةَ في التاسعة عشر، فأشعرُ ببردِ الفشلِ ينخرُ عظامي وأنا لا أزالُ أتعثرُ في مقدمة العشرين. كنتُ أحسبُ أنَّ الحياةَ مأدبةٌ واحدة، مَن تأخرَ عن موعدِ افتتاحها فقد حُكمَ عليه بالجوعِ الأبدي.
يا له من ضلالٍ غرقنا في أحلِاسه!
لقد نسينا أنَّ للكونِ إيقاعاً لا يخضعُ لموازينِ البشر، وأنَّ الزهرةَ التي تتفتحُ في الشتاءِ لا تقلُّ بهاءً عن تلك التي رقصت في الربيع، بل لعلَّ عطرها يكونُ أنفذَ وأبقى لأنها صمدت في وجهِ الصقيعِ وحيدة.
إنَّ ضجيجَ المقارنةِ هو الضجيجُ الذي يحجبُ عنا صوتَ الله في دواخلنا. نحنُ لا نقارنُ لنتطور، بل نقارنُ لنعذبَ أرواحنا بسياطِ الدونية. نرى "النهايات" المتألقة للآخرين، تلك التي تُعرضُ تحتَ أضواءِ الشهرةِ والنجاح، فنسقطُ في فخِ الذهول، وننسى أنَّ وراءَ كلِّ بريقٍ قصصاً من الوجعِ لم تروَ، وليالي من الأرقِ لم تُصور، وعثراتٍ لو عُرضت علينا لربما شكرنا الله على مسارنا الهادئ. إنَّ مقارنةَ خلفيةِ كواليسنا بـ شاشةِ عرضِ الآخرين هي أقسى أنواعِ الظلمِ التي يرتكبها الإنسانُ في حقِّ نفسه.
تأتي لحظةُ الإدراكِ الكبرى، تلك التي تصفعكَ ببرودةِ اليقين، حين تكتشفُ أنَّ كلَّ مَن كنتَ تلاحقُ ظلالهم، كانوا هم أيضاً يلاحقونَ ظلالاً أخرى. إنها سلسلةٌ من الركضِ العبثيِّ في حلقةٍ مفرغة. في هذه اللحظة، يحلُّ السكون. ليس سكونَ العجز، بل سكونَ الحكيمِ الذي أدرك أنَّ البحرَ لا يُقاسُ بكثرةِ زبده، بل بعمقِ أغواره. تدركُ أنَّ بدايتك، مهما بدت مخجلةً أو بطيئة، هي المعجزةُ الوحيدةُ التي تملكها، لأنها بوابتكَ الوحيدةُ نحو حقيقتك، لا نحو حقيقةِ شخصٍ آخر.
لماذا نخافُ من البطء؟ لماذا نرتعبُ من فكرةِ أن نكونَ آخرَ الواصلين؟ إنَّ الذي يصلُ أخيراً وقد حملَ معه وعيهِ كاملاً، وفهمَ تفاصيلَ الطريق، وتصالحَ مع شياطينهِ وملائكته، هو المنتصرُ الحقيقي. أما الذي وصلَ أولاً لاهثاً، مسلوبَ الأنفاس، لم يلمحْ من الطريقِ إلا غبارَ حوافره، فقد وصلَ كجسدٍ فرّغته السرعةُ من معناه. السكينةُ الحقيقيةُ هي أن تكتشفَ أنَّ السباق هو وهمٌ اخترعتهُ المجتمعاتُ لتسهيلِ قيادِنا، بينما الحقيقةُ أننا نعيشُ في جُزرٍ منفصلة، لكلِّ جزيرةٍ شروقُها الخاص وغروبُها الذي لا يشبهُ غيره.
لقد سئمتُ من قمصانِ النجاحِ الجاهزة التي تُباعُ في سوقِ الأوهام. أريدُ أن أمشيَ عارياً من توقعاتِ الناس، مرتدياً قناعتي الشخصية فقط. أريدُ أن أعشقَ تعثري، أن أحتفيَ بسنواتِ التيهِ التي قضيتها أبحثُ عن نفسي في ملامحِ الغرباء، لأنَّ ذلك التيهَ هو الذي جعلَ لعودتي اليوم هذا المذاقَ الفريد. إنَّ الشخصَ الذي لا يملكُ شجاعةَ أن يكونَ (فاشلاً) في نظرِ الناس، لن يملكُ أبداً القوةَ ليكونَ (ناجحاً) في نظرِ نفسه.
انظرْ إلى الأشجارِ في الغابة؛ هل رأيتَ شجرةً تحاولُ أن تطاولَ جارتها حَسداً؟ هل رأيتَ نهراً يحاولُ أن يغيرَ مجراهُ لأنه رأى نهراً آخرَ يصبُّ في بحرٍ أوسع؟ الكونُ متصالحٌ مع قدره، إلا نحن. نحنُ الكائناتُ الوحيدةُ التي تقضي نصفَ عمرها في محاولةِ أن تكونَ شيئاً آخر، والنصفَ الآخرَ في الندمِ على ما فاتنا وأحنُ نركضُ خلفَ السراب. الإدراكُ القويُّ هو الذي يجعلكَ تخلعُ ساعتك، وتلقي بها في أقربِ نهر.
الهدوءُ الذي يغمرني الآن، هو هدوءُ مَن استعادَ وطنهُ بعد نفيٍ طويل. وطني هو قناعتي، وحدوده هي حدودُ جسدي وروحي. لم أعدْ معنياً بـ بكم سبقني فلان، أو "أين" وصلَ علان. لقد اكتشفتُ أنَّ المتعةَ ليست في القمة، بل في الجهدِ المبذولِ لتسلقِ تلتك الخاصة، مهما كانت صغيرة. إنَّ شربةَ ماءٍ على سفحِ جبلك، ألذُّ من نبيذِ النصرِ على جبلٍ سُلبَ من غيرك.
عزيزي القارئ.. إنَّ في داخلِ كلٍ منا سدرةَ منتهى خاصة به، لا يبلغها إلا مَن أخلصَ السيرَ لنفسه. لا تبتئسْ إذا بدأتَ وأنتَ في أرذلِ العمرِ في نظرِ المقاييس، فالعمرُ في ملكوتِ الروحِ لا يُقاسُ بالأيام، بل بلحظاتِ الاستنارة. لحظةُ إدراكٍ واحدة، تجعلكَ تفهمُ فيها أنكَ أنت الكفايةُ والمبتدأُ والخبر، تزنُ قرناً من الزمانِ قضاهُ غيركَ في غيبوبةِ التقليد.
سأتركُ لهم صخبَ المهرجاناتِ والجوائزَ التي تمنحها العيونُ العمياء. وسأنكفئُ أنا على حديقتي الصغيرة، أرعى شتلاتي بصبر، وأتأملُ نموَّها البطيءَ بحبّ. قد لا ينتبهَ العالمُ لزهوري، وقد لا يُكتبُ عن بستاني في جرائدِ الصباح، لكنني حين ألمسُ أوراقَ الشجرِ بيدي، وأشعرُ بنبضِ الحياةِ فيها، أدركُ أنني حققتُ أعظمَ فوزٍ ممكن: لقد نجوتُ من أن أكونَ أياً كان، وأصبحتُ أخيراً.. أنا.
هذا هو السلامُ الذي يتجاوزُ كلَّ فهم؛ أن تتوقفَ عن الحربِ ضدَّ قدرك، وتتوقفَ عن التلصصِ على حظوظِ غيرك. أن تدركَ أنَّ مائدتك، وإنْ خلتْ إلا من الخبزِ والملح، هي المائدةُ الأكثرُ قداسةً لأنها مائدتكَ أنت. عِشْ بدايتك، والمسْ تفاصيلها، واعشقْ فقرها وصعوبتها، ففي تلك التفاصيلِ تسكنُ روحكَ التي هربتْ منكَ لسنواتٍ وأنتَ تطاردُ أشباحَ الناجحين.
اليوم، أُغلقُ خلفي بابَ المقارنةِ إلى الأبد. أضعُ مفتاحَ القلقِ في جيبِ النسيان، وأمشي. أمشي بخطىً ثابتة، هادئة، لا تطلبُ سبقاً، ولا تخشى تأخراً. ففي نهايةِ المطاف، كلنا سنصلُ إلى ذاتِ التراب، لكنَّ الفرقَ الوحيدَ هو: مَن منا وصلَ وهو يحملُ في قلبهِ صورتهُ الحقيقية، ومَن منا وصلَ وهو لا يحملُ إلا صوراً ممزقةً لأشخاصٍ آخرين؟
انتهت الرحلةُ نحو الخارج، وبدأت الرحلةُ نحو الداخل. وهي رحلةٌ لا تحتاجُ إلى زادٍ سوى الصدق، ولا تحتاجُ إلى رفيقٍ سوى اليقين. فليتسابقوا كما شاؤوا، وليصلوا أينما أرادوا؛ أما أنا، فقد وصلتُ إلى مرافئي، وحسبُ القبطانِ أنه وجدَ أخيراً.. شاطئه.



بوركت في مقالك الخفيف الرائع لقد علِمت بالفعل كيف توصل المعاني بطريقة جميلة باستعمال كلمات بسيطة لكنها توصل المعنى العميق
كم أعجبتني فكرة وقوع الحب مع المشوار، وليس الهدف النهائي وحسب، تصالح مع فكرة أنه ليس علينا دائما ننتظر تقدير الآخرين لأعمالنا كي نتقدم، أو نحدد قيمة ما نفعل
أشكرك، وأرجوك أن تتابع
عشقِي مقالاتك🤎☕️