كيف مهارة الأستماع تؤثر على المتحدّث
في أسبوعي الثاني من مَسيرةِ التدريبِ الميدانيّ، حَظيتُ بنصيحةٍ كأنّما صِيغَت من سبيكةِ ذهبٍ؛ واللهِ إنها لأجملُ وأقسى وأذكى مَوعظةٍ طرقتْ سَمعي، نصيحةٌ تَبُثُّ في الروحِ يَقظةً كأنها صَفعةٌ مباغتةٌ تَجيءُ على حينِ غفلةٍ لِتُزيحَ عن البصيرةِ غِشاوَتَها.
جَمَعني اليومَ لقاءٌ بزميلٍ مِعطاءٍ، غدا لي في وَقتٍ وجيزٍ كالصديقِ الحميمِ بل كالأخِ الشقيقِ. كُنتُ في مَقامِهِ المُستمعَ الشغوفَ، ولأوّلِ مرةٍ أجدُني أندمجُ مع شخصٍ في بيئةِ العملِ بهذا العُمقِ الوجدانيّ؛ ولطبيعةِ شخصيتي التي أعتزُّ بها، كنتُ مُنصتاً بامتيازٍ، لدرجةِ أنَّ الحديثَ استدرجَنا لِساعتينِ كاملتين! تاللهِ لا يمكنُ وصفُ حجمِ الذهولِ الذي اعتراني حين أبصرتُ عقاربَ الساعةِ، وكيف انقضى الوقتُ دون أن يتسللَ إليّ أدنى شعورٍ بالمللِ.
استُهِلَّت النصيحةُ في مَبداها بأسلوبٍ أخويٍّ هادئٍ، ثم ما لبثتْ أن استَحالتْ إلى مَحضِ 'فَضْفضةٍ' صادقةٍ، وهنا تَجَلّت مهارةُ الاستماعِ؛ فبالرغمِ من كوني قضيتُ جُلَّ الوقتِ أُومِئُ برأسي مُؤيِّداً، وأَنطقُ بكلماتِ المؤازرةِ مِثل: (صحيح، فِعلاً، صادق والله، فاهم عليك، وضّح لي أكثر، أكيد..)، إلا أنَّ كلَّ حرفٍ كان يَنقشُ حِكمتَهُ في سُويداءِ قلبي.
لقد كان مِحورُ الحديثِ وجوهرُ الفائدةِ يكمنُ في حَصافةِ الادخارِ، وضرورةِ الموازنةِ بين رَفاهيةِ العيشِ وحفظِ المالِ، وأهميةِ الاستثمارِ حين يَفيضُ الكريمُ عليكَ برزقِهِ. فبالاستثمارِ يضمنُ المرءُ مستقبلَهُ ضماناً شاملاً، وبهِ تَتيسرُ عسيراتُ الأمورِ حتى في شؤونِ الزواجِ وبناءِ الأسرةِ.
لقد كنتُ في حَضرةِ رجلٍ -أطالَ اللهُ عُمرَهُ- يُعدُّ مِثالاً للمُستثمرِ الفَذِّ، والذكيِّ اجتماعياً وعاطفياً، والمُبهرِ في سائرِ تفاصيلِهِ؛ وبالرغمِ من أنَّ مَظهرَهُ الخارجيَّ قد لا يَشي لأولِ وهلةٍ بتلك الصفاتِ، إلا أنَّ مَعدنَ الشخصيةِ حين يَنْكشفُ، تصبحُ الملامحُ في عينِ الرائي مُبهرةً، وتَفاصيلُ الذاتِ تأسرُ اللُّبَّ.
حدثني مَنْ تَقَلَّدَ مَناصبَ إداريةً، وكان خبيراً في المواردِ البشريةِ (HR)، ورجلاً جَرَّبَ من دُروبِ الحياةِ وعَثَراتِها الكثيرَ. ولا أَكذبُكم قَولاً، فقد انْجَذبتُ للتقرُّبِ منهُ والنهلِ من خِبرتِهِ؛ فرغمَ وجودِ أربعةِ متدربينَ غيرنا، إلا أنَّ الأقدارَ جعلتْنا الأكثرَ انسيابيةً كأرواحٍ متجاذبةٍ، حتى غَدَوْنا كالأخوينِ لِفَرْطِ التوافقِ الفكريِّ والاجتماعيِّ بيننا.
حقاً، إنَّ الاستثمارَ لأمرٌ جَللٌ؛ فهو يضمنُ حَقَّكَ، ويَنفي عنكَ قلقَ العَوَزِ الماديِّ في المُستقبلِ، وهو كما استقرَّ في العُرفِ.. اقتناءُ الأصولِ كالعقاراتِ وغيرها والانتظارُ حتى يَرْبُوَ ثمنُها.. لقد كان يوماً ثرياً بالمعنى، مَحفوظاً في ذاكرتي لِقادمِ الأيامِ.



شاركنا الاشياء اللي استفدت منها بهالمجال